الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ترك التنفل في السفر

1112 (باب ترك التنفل في السفر)

وقال النووي : (كتاب صلاة المسافرين وقصرها) .

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص197-199 جـ5 المطبعة المصرية

[وحدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب. حدثنا عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، عن أبيه قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة. قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جاء رحله وجلس وجلسنا معه. فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى. فرأى ناسا قياما. فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون. قال: لو كنت مسبحا لأتممت صلاتي. يا ابن أخي إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين، حتى قبضه الله. وصحبت أبا بكر [ ص: 253 ] فلم يزد على ركعتين، حتى قبضه الله. وصحبت عمر، فلم يزد على ركعتين، حتى قبضه الله. ثم صحبت عثمان، فلم يزد على ركعتين، حتى قبضه الله. وقد قال الله لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة .

التالي السابق


(الشرح)

(عن حفص بن عاصم، قال: صحبت ابن عمر ) رضي الله عنهما (في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين. ثم أقبل، وأقبلنا معه، حتى جاء رحله) . أي: منزله.

(وجلس، وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة) . أي: حضرت، وحصلت.

(نحو حيث صلى، فرأى ناسا قياما، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون. قال: لو كنت مسبحا لأتممت صلاتي) .

"السبحة": النفل. والمسبح هنا: " المتنفل". والمعنى: لو اخترت التنفل، لكان إتمام فريضتي أربعة، أحب إلي. ولكني لا أرى واحدا منهما. بل السنة: القصر، وترك التنفل. ومراده: النافلة الراتبة مع الفرائض، كسنة الظهر، والعصر، وغيرها من المكتوبات.

وأما النوافل المطلقة، فقد كان ابن عمر يفعلها في السفر.

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يفعلها، كما [ ص: 254 ] ثبت في مواضع، من الصحيح عنه.

وقد اتفق العلماء، على استحباب النوافل المطلقة في السفر.

واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة؛ فكرهها ابن عمر، وآخرون.

واستحبها الشافعي وأصحابه، والجمهور.

ودليله: الأحاديث المطلقة، في ندب الرواتب.

وحديث: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الضحى يوم الفتح بمكة، وركعتي الصبح حين ناموا، حتى طلعت الشمس) .

وأحاديث أخر صحيحة، ذكرها أصحاب السنن.

والقياس: على النوافل المطلقة.

ولعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان يصلي الرواتب في رحله، ولا يراه ابن عمر . فإن النافلة في البيت أفضل.

أو لعله تركها في بعض الأوقات، تنبيها على جواز تركها.

وأما الاحتجاج لتركها، من أنها لو شرعت لكان إتمام الفريضة أولى، فالجواب: أن الفريضة متحتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها.

وأما النافلة، فهي إلى خيرة المكلف. فالرفق: أن تكون مشروعة ويتخير إن شاء فعلها، وحصل ثوابها. وإن شاء تركها ولا شيء عليه.

(يا ابن أخي! إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر، فلم يزد على [ ص: 255 ] ركعتين، حتى قبضه الله. وصحبت أبا بكر، فلم يزد على ركعتين، حتى قبضه الله. وصحبت عمر، فلم يزد على ركعتين، حتى قبضه الله. ثم صحبت عثمان، فلم يزد على ركعتين، حتى قبضه الله. وقد قال الله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) .

وذكر مسلم بعد هذا، في حديث ابن عمر : (قال: ومع عثمان صدرا من خلافته، ثم أتمها) .

وفي رواية: (ثماني سنين أو قال: ست سنين) . وهذا هو المشهور، أن عثمان أتم بعد ست سنين من خلافته.

وتأول العلماء هذه الرواية، على أن المراد: أن عثمان لم يزد على ركعتين "حتى قبضه الله" في غير منى.

والروايات المشهورة، بإتمام عثمان بعد صدر من خلافته، محمولة على الإتمام بمنى خاصة.

[ ص: 256 ] وقد فسر عمران بن الحصين في روايته، أن إتمام عثمان، إنما كان بمنى. وكذا ظاهر الأحاديث، التي ذكرها مسلم بعد هذا.

قال النووي : إن القصر مشروع بعرفات، ومزدلفة ومنى، للحاج من غير أهل مكة، وما قرب منها. ولا يجوز لأهل مكة، ومن كان دون مسافة القصر. هذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، والأكثرين.

وقال مالك: يقصر أهل مكة، ومنى، ومزدلفة، وعرفات .

فعلة القصير عنده في تلك المواضع: النسك. وعند الجمهور علته السفر. والله أعلم. انتهى.

وأقول: وفي الحديث: ( أتوا يا أهل مكة! فإنا قوم سفر ) ، وقد ثبت بهذا حكم غير أهل مكة أيضا، كما ثبت حكم أهل مكة.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث