الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل شرط وركن النية

ثم إذا فرغت من التعوذ ومن قولك بسم الله الرحمن الرحيم ومن التحميد ومن إظهار الحاجة إلى الإعانة مطلقا فعين سؤالك ولا تطلب إلا أهم حاجاتك وقل اهدنا الصراط المستقيم الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك .

وزده شرحا وتفصيلا وتأكيدا واستشهادا بالذين أفاض عليهم نعمة الهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين من اليهود والنصارى والصابئين ثم التمس الإجابة وقل آمين فإذا تلوت الفاتحة كذلك فيشبه أن تكون من الذين قال الله تعالى فيهم ، فيما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم : " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ، يقول العبد : الحمد لله رب العالمين ، فيقول الله عز وجل : حمدني عبدي وأثنى علي .

وهو معنى قوله سمع الله لمن حمده الحديث إلخ .

التالي السابق


(ثم إذا فرغت من) فهم معاني (التعوذ ومن قولك بسم الله الرحمن الرحيم ومن التحميد) والتعظيم والخوف، (ومن) التبري من الحول والقوة، ومن (الحاجة إلى الإعانة مطلقا) فاقتضي من هذه المعاني وصف الرجاء والالتجاء وناسب النطق بالدعاء والطلب، (فعين سؤالك ولا تطلب) منه (إلا أهم حاجاتك) مما يناسب لمقام التوفيق، (وقل) بلسان قالك مستحضرا الاسم الإلهي الهادي، (اهدنا) أي: أرشدنا إلى (الصراط المستقيم) الذي لا اعوجاج فيه (الذي يسوقنا إلى جوارك) ، ويحلنا أشرف دارك، (ويفضي بنا إلى مرضاتك) ، أي: ما فيه رضاك وهو الذي يسلكه العارفون بالله تعالى، وهو صراط التوحيدين توحيد الذات وتوحيد الإله بلوازمها المشروعة التي هي حقها مستحضرا في نفسه قوله تعالى: إن ربي على صراط مستقيم ، فإنه إذا مشى العارف على ذلك الصراط كان الحق أمامه، وكان العبد تابعا له على ذلك الصراط، وكيف لا وناصيته بيده يجره إليه، قال تعالى: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ، فدخل في هذه الآية جميع ما دب علوا وسفلا ما عدا الإنس والجن، ولذلك قال: (وزده) ، أي: مسئولك (شرحا وتفصيلا) ، وتأكيدا (واستشهادا) في قولك: صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، (بالذين أفاض عليهم نعمة الهداية) الكبرى (من) عباده المقربين من (النبيين والصديقين) والشهداء (والصالحين) ؛ليكون حالك ملائما لحالهم وسلوكك مشابها لسلوكهم، فهم الموفقون لذلك الصراط، فإذا حضرت في قراءتك يرجى لك أن تكون ممن جعل ناصيته بيد ربه في غيب هويته، ومن خرج وند ولم يجعل ناصيته بيد ربه استثناه الله منهم، فقال: غير المغضوب، أي: (دون الذين غضب عليهم) ، والذين ضلوا (من) طائفة (الكفار) الذين لم يوفقوا للسجود، (والزائغين) عن صراط الحق (من اليهود والنصارى والصابئين) وهم عبدة الكواكب، (ثم التمس الإجابة) لما سألته من مولاك بغاية الخشوع والهيبة، (وقل آمين) ، أي: استجب ربنا، ولما كان الداعي اللسان ثم يصغي إلى قلبه فيسمع تلاوة روحه فاتحة الكتاب مطابقة لتلاوة لسانه، فيقول اللسان: مؤمنا على دعاء روحه بالتلاوة من قوله: اهدنا، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة موافقة طهارة وتقديس، أجاب الحق عقيب قوله باللسانين، وبهذا قد ظهر لك أسلوب القراءة في الصلاة كيف يكون، فاجر عليها على قدر اتساع باعك وسرعة حركتك وأنت أبصر، (فإذا تلوت الفاتحة كذلك) ، أي: بحضور قلب ومواطأة بين القلب واللسان بحظ وافر من الوصلة والدنو والهيبة والخشية والتعظيم والوقار والمشاهدة والمناجاة، (فتشبه أن تكون من الذين قال الله تعالى فيهم، فيما أخبر عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، نصفها لي ونصفها لعبدي، يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، فيقول الله عز وجل: حمدني عبدي وأثنى علي) قال المصنف: (وهو معنى قوله) ، أي: المصلي، (سمع الله لمن حمده) ، أي: أجاب (الحديث.. إلخ) منصوب على فعل مقدر تقديره اذكر الحديث، إلخ، وتمامه فيما أخبرناه شيخنا أبو الربيع سليمان بن يحيى بن عمر الحسيني الزبيدي بقراءتي عليه بمدينة زبيد، أخبرنا والدي أحمد بن محمد بن المقبول، أخبرنا أحمدبن محمد النخلي، أخبرنا محمد بن العلاء الحافظ، أخبرنا علي بن يحيى، أخبرنا يوسف بن زكريا، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الحافظ، أخبرنا أبو ذر عبد الرحمن بن عبد الله الزركشي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الخزرجي، أخبرنا أبو محمد صالح بن ثامر [ ص: 151 ] الجعبري، أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد البكري، أخبرنا المؤيد بن محمد الطوسي، أخبرنا أبو عبد الله الفراوي، أخبرنا أبو الحسين عبد الغفار بن محمد الفارسي، أخبرنا أبو أحمد الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن سفيان الزاهد، حدثنا مسلم بن الحجاج القشيري، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا سفيان بن عيينة عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا". غير تمام، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل".

قال سفيان: حدثني به العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، دخلت عليه وهو مريض في بيته، فسألته أنا عنه، هكذا نصه في صحيحه، وقال أيضا: وحدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فذكره مثله، قال: وحدثني محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني العلاء بن عبد الرحمن أن أبا السائب، أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول بمثل حديث سفيان، وفي حديثهما: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي"، قال: وحدثنا أحمدبن جعفر المقعري، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا أبو أويس، أخبرني العلاء قال: سمعت من أبي، ومن أبي السائب، وكانا جليسين لأبي هريرة قالا: قال أبو هريرة : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: بمثل حديثهم اهـ .

لفظ مسلم وأورده الشهاب السهروردي في العوارف من طريق آدم بن أبي إياس والدارقطني في سننه عن عبد الله بن زياد بن سمعان، كلاهما عن العلاء بمثل سياق حديث سفيان، إلا أنه زاد البسملة في أوله، قال الدارقطني : وابن سمعان متروك الحديث، وقال غيره: كذاب، وقال في العلل: تفرد ابن سمعان بهذه الزيادة إذ قد روى عن العلاء من أصحابه جماعة يزيدون على العشرة، كمالك وسفيان وابن جريج وشعيب والدراوردي وإسماعيل بن جعفر ومحمد بن إسحاق والوليد بن كثير، لم يذكر أحد منهم فيه البسملة، وزادها ابن سمعان، وهو ضعيف، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث