الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 647 ] النوع السابع والأربعون

في ناسخه ومنسوخه

أفرده بالتصنيف خلائق لا يحصون ، منهم : أبو عبيد القاسم بن سلام ، وأبو داود السجستاني ، وأبو جعفر النحاس وابن الأنباري ، ومكي ، وابن العربي ، وآخرون .

قال الأئمة : لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ .

وقد قال علي لقاص : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ قال : لا ، قال : هلكت وأهلكت .

وفي هذا النوع مسائل :

الأولى : يرد النسخ بمعنى الإزالة ، ومنه قوله فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته [ الحج : 52 ] .

وبمعنى التبديل ، ومنه : وإذا بدلنا آية مكان آية [ النحل : 101 ] .

وبمعنى التحويل ، كتناسخ المواريث ، بمعنى تحويل الميراث من واحد إلى واحد .

[ ص: 648 ] وبمعنى النقل من موضع إلى موضع ، ومنه : نسخت الكتاب ، إذا نقلت ما فيه ، حاكيا للفظه وخطه .

قال مكي : وهذا الوجه لا يصح أن يكون في القرآن ، وأنكر على النحاس إجازته ذلك ، محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتي بلفظ المنسوخ ; وأنه إنما يأتي بلفظ آخر .

وقال السعيدي : يشهد لما قاله النحاس قوله تعالى : إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون [ الجاثية : 29 ] . وقال : وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم [ الزخرف : 4 ] .

ومعلوم أن ما نزل من الوحي نجوما جميعه في أم الكتاب ، وهو اللوح المحفوظ ، كما قال تعالى : في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون [ الواقعة : 78 - 79 ] .

الثانية : النسخ مما خص الله به هذه الأمة لحكم ، منها التيسير .

وقد أجمع المسلمون على جوازه ، وأنكره اليهود ظنا منهم أنه بداء ، كالذي يرى الرأي ثم يبدو له ، وهو باطل ; لأنه بيان مدة الحكم كالإحياء بعد الإماتة وعكسه ، والمرض بعد الصحة وعكسه ، والفقر بعد الغنى وعكسه ، وذلك لا يكون بداء ، هكذا الأمر والنهي .

واختلف العلماء :

[ ص: 649 ] فقيل : لا ينسخ القرآن إلا بقرآن ، لقوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها [ البقرة : 106 ] قالوا : ولا يكون مثل القرآن وخيرا منه إلا قرآن .

وقيل : بل ينسخ القرآن بالسنة ، لأنها أيضا من عند الله ، قال تعالى : وما ينطق عن الهوى [ النجم : 3 ] .

وجعل منه آية الوصية الآتية .

والثالث : إذا كانت السنة بأمر الله من طريق الوحي نسخت ، وإن كانت باجتهاد فلا . حكاه ابن حبيب النيسابوري في تفسيره .

وقال الشافعي : حيث وقع نسخ القرآن بالسنة ، فمعها قرآن عاضد لها ، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فمعه سنة عاضدة له ; ليتبين توافق القرآن والسنة .

وقد بسطت فروع هذه المسألة في شرح منظومة جمع الجوامع في الأصول .

الثالثة : لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي ، ولو بلفظ الخبر . أما الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ ، ومنه الوعد والوعيد .

وإذا عرفت ذلك عرفت فساد صنع من أدخل في كتب النسخ كثيرا من آيات الإخبار والوعد والوعيد .

الرابعة : النسخ أقسام :

أحدها : نسخ المأمور به قبل امتثاله ، وهو النسخ على الحقيقة ، كآية النجوى .

الثاني : ما نسخ مما كان شرعا لمن قبلنا ، كآية شرع القصاص والدية ، أو كان أمر به أمرا جمليا كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالكعبة ، وصوم عاشوراء برمضان ، وإنما يسمى هذا نسخا تجوزا .

الثالث : ما أمر به لسبب ، ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح ، ثم نسخ بإيجاب القتال . وهذا في الحقيقة ليس نسخا ، بل هو من قسم المنسإ ، [ ص: 650 ] كما قال تعالى ( أو ننسها ) فالمنسأ : هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون ، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى ، وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف ، وليس كذلك ، بل هي من المنسإ ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما ، لعلة تقتضي ذلك الحكم ، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر ، وليس بنسخ ، إنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله .

وقال مكي : ذكر جماعة : أن ما ورد في الخطاب مشعر بالتوقيت والغاية ، مثل قوله في البقرة : فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره [ البقرة : 109 ] محكم غير منسوخ ; لأنه مؤجل بأجل ، والمؤجل بأجل لا نسخ فيه .

الخامسة : قال بعضهم : سور القرآن باعتبار الناسخ والمنسوخ أقسام :

قسم ليس فيه ناسخ ولا منسوخ : وهو ثلاثة وأربعون : سورة الفاتحة ، ويوسف ، ويس ، والحجرات ، والرحمن ، والحديد ، والصف ، والجمعة ، والتحريم ، والملك ، والحاقة ، ونوح ، والجن ، والمرسلات ، وعم ، والنازعات ، والانفطار ، وثلاث بعدها ، والفجر وما بعدها إلى آخر القرآن ; إلا التين ، والعصر ، والكافرون .

وقسم فيه الناسخ والمنسوخ : وهي خمسة وعشرون : البقرة وثلاث بعدها ، والحج ، والنور ، وتالياها ، والأحزاب ، وسبأ ، والمؤمن ، والشورى ، والذاريات ، والطور ، والواقعة ، والمجادلة ، والمزمل ، والمدثر ، وكورت ، والعصر .

وقسم فيه الناسخ فقط : وهو ست : الفتح ، والحشر ، والمنافقون ، والتغابن ، والطلاق ، والأعلى .

وقسم فيه المنسوخ فقط : وهو الأربعون الباقية . كذا قال ، وفيه نظر يعرف مما سيأتي .

السادسة : قال مكي : الناسخ أقسام :

فرض نسخ فرضا ، ولا يجوز العمل بالأول ، كنسخ الحبس للزواني بالحد .

وفرض نسخ فرضا ويجوز العمل بالأول ، كآية المصابرة .

[ ص: 651 ] وفرض نسخ ندبا كالقتال ، كان ندبا ثم صار فرضا .

وندب نسخ فرضا ، كقيام الليل ، نسخ بالقراءة في قوله : فاقرءوا ما تيسر من القرآن [ المزمل : 20 ] .

السابعة : النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب :

أحدها : ما نسخ تلاوته وحكمه معا . قالت عائشة : كان فيما أنزل : ( عشر رضعات معلومات ) فنسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهن مما يقرأ من القرآن . رواه الشيخان .

وقد تكلموا في قولها : ( وهن مما يقرأ ) : فإن ظاهره بقاء التلاوة ، وليس كذلك .

وأجيب بأن المراد : قارب الوفاة ، أو : أن التلاوة نسخت أيضا ، ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتوفي وبعض الناس يقرؤها .

وقال أبو موسى الأشعري : نزلت ثم رفعت .

وقال مكي : هذا المثال فيه المنسوخ غير متلو ، والناسخ أيضا غير متلو ، ولا أعلم له نظيرا . انتهى .

الضرب الثاني : ما نسخ حكمه دون تلاوته ; وهذا الضرب هو الذي فيه الكتب المؤلفة ، وهو على الحقيقة قليل جدا ، وإن أكثر الناس من تعداد الآيات فيه ; فإن المحققين منهم كالقاضي أبي بكر بن العربي بين ذلك وأتقنه .

[ ص: 652 ] والذي أقوله أن الذي أورده المكثرون أقسام :

قسم ليس من النسخ في شيء ولا من التخصيص : ولا له بهما علاقة بوجه من الوجوه . وذلك مثل قوله تعالى : ومما رزقناهم ينفقون [ البقرة : 3 ] . و أنفقوا مما رزقناكم [ البقرة : 254 ] ونحو ذلك .

قالوا : إنه منسوخ بآية الزكاة ، وليس كذلك بل هو باق .

أما الأولى : فإنها خبر في معرض الثناء عليهم بالإنفاق ، وذلك يصلح أن يفسر بالزكاة ، وبالإنفاق على الأهل ، وبالإنفاق في الأمور المندوبة كالإعانة والإضافة ، وليس في الآية ما يدل على أنها نفقة واجبة غير الزكاة .

والآية الثانية : يصلح حملها على الزكاة ، وقد فسرت بذلك .

وكذا قوله تعالى : أليس الله بأحكم الحاكمين [ التين : 8 ] قيل : إنها مما نسخ بآية السيف ، وليس كذلك ; لأنه تعالى أحكم الحاكمين أبدا ، لا يقبل هذا الكلام النسخ ، وإن كان معناه الأمر بالتفويض وترك المعاقبة .

وقوله في البقرة : وقولوا للناس حسنا [ البقرة : 83 ] عده بعضهم من المنسوخ بآية السيف . وقد غلطه ابن الحصار بأن الآية حكاية عما أخذه على بني إسرائيل من الميثاق ، فهو خبر لا نسخ فيه ، وقس على ذلك .

وقسم هو من قسم المخصوص ، لا من قسم المنسوخ : وقد اعتنى ابن العربي بتحريره فأجاد ، كقوله إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا [ العصر : 2 ، 3 - 3 ] والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا [ الشعراء : 224 - 227 ] فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره [ البقرة : 109 ] وغير ذلك من الآيات التي خصت باستثناء أو غاية . ، وقد أخطأ من أدخلها في المنسوخ .

ومنه قوله : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن [ البقرة : 221 ] . قيل : إنه نسخ بقوله : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب [ المائدة : 5 ] وإنما هو مخصوص به .

وقسم رفع ما كان عليه الأمر في الجاهلية أو في شرائع من قبلنا ، أو في أول الإسلام ولم ينزل في القرآن : كإبطال نكاح نساء الآباء ، ومشروعية القصاص والدية ، وحصر الطلاق في الثلاث . وهذا إدخاله في قسم الناسخ قريب ، ولكن عدم إدخاله أقرب ، وهو [ ص: 653 ] الذي رجحه مكي وغيره . ووجهوه : بأن ذلك لو عد في الناسخ لعد جميع القرآن منه ، إذ كله أو أكثره رافع لما كان عليه الكفار وأهل الكتاب . قالوا : وإنما حق الناسخ والمنسوخ أن تكون آية نسخت آية . انتهى .

نعم ، النوع الأخير منه ، وهو رافع ما كان في أول الإسلام ، إدخاله أوجه من القسمين قبله .

إذا علمت ذلك : فقد خرج من الآيات التي أوردها المكثرون الجم الغفير ، مع آيات الصفح والعفو ، إن قلنا إن آية السيف لم تنسخها ، وبقي مما يصلح لذلك عدد يسير . وقد أفردته بأدلته في تأليف لطيف ، وها أنا أورده هنا محررا :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث