الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

المسألة الثانية :

في كيفية الإنزال والوحي :

قال الأصفهاني في أوائل تفسيره : اتفق أهل السنة والجماعة على أن كلام الله منزل . واختلفوا في معنى الإنزال :

فمنهم من قال : إظهار القراءة . ومنهم من قال : إن الله - تعالى - ألهم كلامه جبريل وهو في السماء ، وهو عال من المكان ، وعلمه قراءته ، ثم جبريل أداه في الأرض وهو يهبط في المكان . وفي التنزيل طريقان : أحدهما : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكية وأخذه من جبريل .

والثاني : أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذه الرسول منه والأول أصعب الحالين . انتهى .

وقال الطيبي : لعل نزول القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتلقفه الملك من الله - تعالى - تلقفا روحانيا ، أو يحفظه من اللوح المحفوظ ، فينزل به إلى الرسول ويلقيه عليه .

وقال القطب الرازي في " حواشي الكشاف " : والإنزال لغة بمعنى الإيواء ، وبمعنى تحريك الشيء من العلو إلى أسفل ، وكلاهما لا يتحقق في الكلام ، فهو مستعمل فيه في معنى مجازي : فمن قال : القرآن معنى قائم بذات الله - تعالى - فإنزاله أن يوجد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى ويثبتها في اللوح المحفوظ . ومن قال : القرآن هو الألفاظ ، فإنزاله مجرد إثباته في اللوح المحفوظ . وهذا المعنى مناسب لكونه منقولا عن المعنيين اللغويين . ويمكن أن يكون المراد بإنزاله إثباته في السماء الدنيا بعد الإثبات في اللوح المحفوظ وهذا مناسب للمعنى الثاني . والمراد بإنزال الكتب على الرسل : أن يتلقفها الملك من الله تلقفا روحانيا أو يحفظها من اللوح المحفوظ ، وينزل بها فيلقيها عليهم . انتهى .

وقال غيره : في المنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه اللفظ والمعنى ، وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به . وذكر بعضهم أن أحرف القرآن في اللوح المحفوظ ، كل حرف منها بقدر جبل قاف ، وأن تحت كل حرف منها معاني لا يحيط بها إلا الله .

والثاني : أن جبريل إنما نزل بالمعاني خاصة وأنه - صلى الله عليه وسلم - علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب وتمسك قائل هذا بظاهر قوله - تعالى - : نزل به الروح الأمين على قلبك [ الشعراء : 193 - 194 ] .

والثالث : أن جبريل ألقى إليه المعنى ، وأنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب ، وأن أهل السماء يقرءونه بالعربية ، ثم إنه نزل به كذلك بعد ذلك .

وقال البيهقي في معنى قوله تعالى : إنا أنزلناه في ليلة القدر يريد - والله أعلم - : إنا أسمعنا الملك وأفهمناه إياه وأنزلناه بما سمع ، فيكون الملك منتقلا من علو إلى أسفل .

قال أبو شامة : هذا المعنى مطرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرآن أو إلى شيء منه ، يحتاج إليه أهل السنة المعتقدون قدم القرآن ، وأنه صفة قائمة بذات الله - تعالى - .

قلت : ويؤيد أن جبريل تلقفه سماعا من الله تعالى : ما أخرجه الطبراني من حديث النواس بن سمعان مرفوعا إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله ، فإذا سمع بذلك أهل السماء ، صعقوا وخروا سجدا ، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد فينتهي به على الملائكة ، فكلما مر بسماء ، سأله أهلها : ماذا قال ربنا ؟ قال : الحق . فينتهي به حيث أمر .

وأخرج ابن مردويه من حديث ابن مسعود رفعه : إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان ، فيفزعون ويرون أنه من أمر السرعة . وأصل الحديث في الصحيح .

وفي تفسير علي بن سهل النيسابوري : قال جماعة من العلماء : نزل القرآن جملة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت يقال له : بيت العزة ، فحفظه جبريل ، وغشي على أهل السماوات من هيبة كلام الله ، فمر بهم جبريل ، وقد أفاقوا ، فقالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق - يعني القرآن - وهو معنى قوله : حتى إذا فزع عن قلوبهم [ سبأ : 23 ] فأتى به جبريل إلى بيت العزة ، فأملاه على السفرة الكتبة - يعني الملائكة - وهو معنى قوله - تعالى - : بأيدي سفرة كرام بررة [ عبس : 15 - 16 ] .

وقال الجويني : كلام الله المنزل قسمان :

قسم قال الله لجبريل : قل للنبي الذي أنت مرسل إليه : إن الله يقول : افعل كذا وكذا ، وأمر بكذا ، ففهم جبريل ما قاله ربه ، ثم نزل على ذلك النبي وقال له ما قاله ربه ، ولم تكن العبارة تلك العبارة ، كما يقول الملك لمن يثق به : قل لفلان يقول لك الملك : اجتهد في الخدمة ، واجمع جندك للقتال . فإن قال الرسول : يقول الملك لا تتهاون في خدمتي ولا تترك الجند تتفرق ، وحثهم على المقاتلة ، لا ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة .

وقسم آخر قال الله لجبريل : اقرأ على النبي هذا الكتاب ، فنزل جبريل بكلمة من الله من غير تغيير . كما يكتب الملك كتابا ويسلمه إلى أمين ، ويقول : اقرأه على فلان ، فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفا . انتهى .

قلت : القرآن هو القسم الثاني ، والقسم الأول هو السنة ، كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن . ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى ; لأن جبريل أداه بالمعنى ، ولم تجز القراءة بالمعنى ; لأن جبريل أداه باللفظ ، ولم يبح له إيحاءه بالمعنى .

والسر في ذلك : أن المقصود منه التعبد بلفظه والإعجاز به فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه . وأن تحت كل حرف منه معاني لا يحاط بها كثرة ، فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليه ، والتخفيف على الأمة حيث جعل المنزل إليهم على قسمين : قسم يروونه بلفظه الموحى به ، وقسم يروونه بالمعنى ، ولو جعل كله مما يروى باللفظ لشق ، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف ، فتأمل .

وقد رأيت ، عن السلف ما يعضد كلام الجويني .

وأخرج ابن أبي حاتم ، من طريق عقيل ، عن الزهري : أنه سئل عن الوحي ، فقال : الوحي ما يوحي الله إلى نبي من الأنبياء ، فيثبته في قلبه ، فيتكلم به ويكتبه ، وهو كلام الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث