الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

التنبيه الثالث : قال أبو شامة : ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث ، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة ، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل .

وقال أبو العباس بن عمار : لقد نقل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له ، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره : أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر ; وليته إذا اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة .

ووقع له - أيضا - في اقتصاره عن كل إمام على راويين أنه صار من سمع قراءة راو ثالث غيرهما أبطلها وقد تكون هي أشهر وأصح وأظهر ، وربما بالغ من لا يفهم فخطأ أو كفر .

وقال أبو بكر بن العربي : ليست هذه السبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها ، كقراءة أبي جعفر وشيبة والأعمش ونحوهم ; فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم . وكذا قال غير واحد ; منهم مكي ومنهم أبو العلاء الهمذاني ، وآخرون من أئمة القراء .

[ ص: 272 ] وقال أبو حيان : ليس في كتاب ابن مجاهد ، ومن تبعه من القراءات المشهورة إلا النزر اليسير ، فهذا أبو عمرو بن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر راويا ، ثم ساق أسماءهم ، واقتصر في كتاب ابن مجاهد على اليزيدي ، واشتهر عن اليزيدي عشرة أنفس ، فكيف يقتصر على السوسي والدوري ، وليس لهما مزية على غيرهما ; لأن الجميع يشتركون في الضبط والإتقان والاشتراك في الأخذ . قال : ولا أعرف لهذا سببا إلا ما قضي من نقص العلم .

وقال مكي : من ظن أن قراءة هؤلاء القراء - كنافع وعاصم - هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطا عظيما .

قال : ويلزم من هذا أيضا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة وغيرهم ، ووافق خط المصحف ، ألا يكون قرآنا ، وهذا غلط عظيم فإن الذين صنفوا القراءات من الأئمة المتقدمين - كأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي حاتم السجستاني وأبي جعفر الطبري وإسماعيل القاضي - قد ذكروا أضعاف هؤلاء ، وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو ويعقوب ، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم ، وبالشام على قراءة ابن عامر ، وبمكة على قراءة ابن كثير ، وبالمدينة على قراءة نافع ، واستمروا على ذلك ، فلما كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف يعقوب .

قال : والسبب في الاقتصار على السبعة - مع أن في أئمة القراء من هو أجل منهم قدرا أو مثلهم أكثر من عددهم - أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرا جدا ، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة به والاتفاق على الأخذ عنه ، فأفردوا من كل مصر إماما واحدا ، ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات ، ولا القراءة به ، كقراءة يعقوب وأبي جعفر وشيبة وغيرهم .

قال : وقد صنف ابن جبير المكي - قبل ابن مجاهد - كتابا في القراءات فاقتصر على خمسة ، اختار من كل مصر إماما ; وإنما اقتصر على ذلك ; لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار ; ويقال إنه وجه بسبعة : هذه الخمسة ، ومصحفا إلى اليمن ، ومصحفا إلى البحرين ، لكن لما لم يسمع لهذين المصحفين خبر ، وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف استبدلوا من غير البحرين واليمن قارئين كمل بهما العدد ، فصادف ذلك موافقة العدد الذي ورد الخبر به فوقع ذلك لمن لم يعرف أصل المسألة ولم تكن له [ ص: 273 ] فطنة ، فظن أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع .

والأصل المعتمد عليه صحة السند في السماع ، واستقامة الوجه في العربية وموافقة الرسم .

وأصح القراءات سندا نافع وعاصم ، وأفصحها أبو عمرو والكسائي .

وقال القراب في الشافي : التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة ، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين ، فانتشر ، وأوهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك وذلك لم يقل به أحد .

وقال الكواشي : كل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية ، ووافق خط المصحف الإمام فهو من السبعة المنصوصة ، ومتى فقد شرط من الثلاثة فهو الشاذ .

وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن انحصار القراءات المشهورة في مثل ما في " التيسير " و " الشاطبية " وآخر من صرح بذلك الشيخ تقي الدين السبكي ، فقال في " شرح المنهاج " : قال الأصحاب : تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بالقراءات السبع ، ولا تجوز بالشاذ ، وظاهر هذا يوهم أن غير السبع المشهورة من الشواذ ، وقد نقل البغوي الاتفاق على القراءة بقراءة يعقوب وأبي جعفر مع السبع المشهورة ، وهذا القول هو الصواب .

قال : واعلم أن الخارج عن السبع المشهورة على قسمين :

منه ما يخالف رسم المصحف : فهذا لا شك في أنه لا تجوز قراءته لا في الصلاة ولا في غيرها .

ومنه ما لا يخالف رسم المصحف : ولم تشتهر القراءة به ، وإنما ورد من طريق غريب لا يعول عليها ، وهذا يظهر المنع من القراءة به أيضا .

ومنه ما اشتهر ، عن أئمة هذا الشأن القراءة به قديما وحديثا : فهذا لا وجه للمنع منه ، ومن ذلك قراءة يعقوب وغيره .

قال : والبغوي أولى من يعتمد عليه في ذلك ، فإنه مقرئ فقيه جامع للعلوم . قال : وهكذا التفصيل في شواذ السبعة فإن عنهم شيئا كثيرا شاذا . انتهى .

وقال ولده في " منع الموانع " : إنما قلنا في " جمع الجوامع " : والسبع متواترة ، ثم قلنا في [ ص: 274 ] الشاذ والصحيح : إنه ما وراء العشرة ، ولم نقل : والعشر متواترة ; لأن السبع لم يختلف في تواترها فذكرنا أولا موضع الإجماع ، ثم عطفنا عليه موضع الخلاف .

قال : على أن القول بأن القراءات الثلاث غير متواترة في غاية السقوط ، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين ، وهي لا تخالف رسم المصحف .

قال : وقد سمعت أبي يشدد النكير على بعض القضاة ، وقد بلغه أنه منع من القراءة بها ، واستأذنه بعض أصحابنا مرة في إقراء السبع ، فقال : أذنت لك أن تقرأ العشر . انتهى .

وقال في جواب سؤال سأله ابن الجزري : القراءات السبع التي اقتصر عليها الشاطبي ، والثلاث - التي هي : قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف - متواترة معلومة من الدين بالضرورة ، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلوم من الدين بالضرورة : أنه منزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث