الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في الدعاء

حدثني يحيى عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكل نبي دعوة يدعو بها فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة

التالي السابق


8 - باب ما جاء في الدعاء

هو من أشرف الطاعات ، أمر الله به عباده فضلا وكرما وما تفضل بالإجابة فقال : ( ادعوني أستجب لكم ) ( سورة غافر : الآية 60 ) . وروى أحمد بإسناد لا بأس به عن أبي هريرة مرفوعا : " من لم يدع الله غضب عليه " ولأبي يعلى عن أنس عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فيما يروي عن ربه في حديث : وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة . وقيل : المراد في الآية العبادة لقوله : ( إن الذين يستكبرون عن عبادتي ( سورة غافر : الآية 60 ) والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله : ( إن يدعون من دونه إلا إناثا ) ( سورة النساء : الآية 117 ) وأجاب الأولون بأن هذا ترك للظاهر .

وقال التقي السبكي : الأولى حمل الدعاء على [ ص: 41 ] ظاهره . وأما قوله عن عبادتي فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة فمن استكبر عنها استكبر عن الدعاء . وعلى هذا فالوعيد إنما هو حق من ترك الدعاء استكبارا ومن فعل ذلك كفر ، انتهى .

وتخلف الإجابة إنما هو لفقد شروط الدعاء التي منها أكل الحلال الخالص وصون اللسان والفرج ، واستشكل حديث : " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " المقتضي لفضل ترك الدعاء حينئذ مع الآية المقتضية للوعيد الشديد على تركه .

وأجيب بأن العقل إذا استغرق في الثناء كان أفضل من الدعاء ; لأن الدعاء طلب الجنة ، والاستغراق في معرفة جلال الله أفضل من الجنة ، أما إذا لم يحصل الاستغراق فالدعاء أولى لاشتماله على معرفة الربوبية وذل العبودية ، والصحيح استحباب الدعاء ، ورجح بعضهم تركه استسلاما للقضاء ، وقيل : إن دعا لغيره فحسن ، وإن خص نفسه فلا . وقيل : إن وجد في نفسه باعثا للدعاء استحب وإلا فلا .

492 495 - ( مالك ، عن أبي الزناد ) عبد الله بن ذكوان ( عن الأعرج ) عبد الرحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة ) عبد الرحمن بن صخر أو عمرو بن عامر ( أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : لكل نبي دعوة ) مستجابة ( يدعو بها ) بهذه الدعوة مقطوع فيها بالإجابة وما عداها على رجاء الإجابة على غير يقين ولا وعد .

وبهذا أجيب عن إشكال ظاهره بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة ولا سيما نبينا محمد ، صلى الله عليه وسلم ، وبأن معناه أفضل دعوات كل نبي ، ولهم دعوات أخرى ، وبأن معناه لكل منهم دعوة عامة مستجابة في أمته إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم .

وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب ومنها ما لا يستجاب . وقيل : لكل منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه كقول نوح : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) ( سورة نوح : الآية 26 ) ، وقول زكريا : ( رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ) ( سورة آل عمران : الآية 38 ) ، وقول سليمان : ( رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ) ( سورة ص : الآية 35 ) حكاه ابن التين .

وقال ابن عبد البر : معناه عندي أن كل نبي أعطي أمنية يتمنى بها ; لأنه محال أن يكون نبينا أو غيره من الأنبياء لا يجاب من دعائه إلا دعوة واحدة ، وما يكاد أحد يخلو من إجابة دعوته إذا شاء ربه ، قال تعالى : ( فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ) ( سورة الأنعام : الآية 41 ) وقال ، صلى الله عليه وسلم : " دعوة المظلوم لا ترد ولو كانت من كافر " . وقال عليه السلام : " ما من داع إلا كان بين إحدى ثلاث : إما أن يستجاب له فيما دعا ، وإما أن يدخر مثله ، [ ص: 42 ] وإما أن يكفر عنه .

وجاء في ساعة الجمعة لا يسأل فيها عبد ربه شيئا إلا أعطاه . وقال في الدعاء بين الأذان والإقامة ، وعند الصف في سبيل الله ، وعند الغيث ، وغير ذلك أنها أوقات ترجى فيها إجابة الدعاء .

( فأريد أن أختبئ ) بسكون المعجمة وفتح الفوقية وكسر الموحدة فهمزة ، أي أدخر ( دعوتي ) المقطوع بإجابتها ( شفاعة لأمتي في الآخرة ) في أهم أوقات حاجتهم ، ففيه كمال شفقته على أمته ورأفته بهم واعتناؤه بالنظر في مصالحهم ، جزاه الله عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته .

قال ابن بطال : في الحديث بيان فضيلة نبينا على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة ، ولم يجعلها أيضا دعاء عليهم كما وقع لغيره ممن تقدم . وقال ابن الجوزي : هذا من حسن تصرفه ، صلى الله عليه وسلم ; لأنه جعل الدعوة فيما ينبغي ، ومن كثرة كرمه ; لأنه آثر أمته على نفسه ، ومن صحة نظره ; لأنه جعلها للمذنبين من أمته لكونهم أحوج إليها من الطائعين ، هذا وقول بعض شراح المصابيح : جميع دعوات الأنبياء مجابة ، والمراد بهذا الحديث أن كل نبي دعا على أمته بالإهلاك إلا أنا فلم أدع فأعطيت الشفاعة عوضا عن ذلك للصبر على أذاهم . والمراد بالأمة أمة الدعوة لا أمة الإجابة ، تعقبه الطيبي بأنه ، صلى الله عليه وسلم ، دعا على أحياء العرب وعلى أناس من قريش بأسمائهم ، ودعا على رعل وذكوان ومضر ، قال : والأولى أن يقال جعل الله لكل نبي دعوة تستجاب في حق أمته فنالها كل منهم في الدنيا ، وأما نبينا فإنه لما دعا على بعض أمته نزل عليه : ( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم ) ( سورة آل عمران : الآية 128 ) فأبقى تلك الدعوة المستجابة مدخرة للآخرة .

وغالب من دعا عليهم لم يرد إهلاكهم وإنما أراد ردعهم ليتوبوا . قال : وأما جزمه أولا بأن جميع أدعية الأنبياء مجابة فغفلة عن الحديث : " سألت الله ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة " . الحديث ، انتهى .

وفيه إثبات الشفاعة . قال ابن عبد البر : وهي ركن من أركان اعتقاد أهل السنة ، قال : وأجمعوا على أن قوله تعالى : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) ( سورة الإسراء : الآية 79 ) هو الشفاعة في المذنبين من أمته إلا ما روي عن مجاهد أنه جلوسه على العرش . وروي عنه كالجماعة فصار إجماعا ، وقد صح نصا عن النبي ، صلى الله عليه وسلم .

وأحاديث الشفاعة متواترة صحاح منها : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " . وقال جابر : من لم يكن من أهل الكبائر فما له وللشفاعة ولا ينازع في ذلك إلا أهل البدع ، انتهى . وهذا الحديث رواه البخاري في الدعوات : حدثني إسماعيل قال : حدثني مالك به ، ومسلم من طريق ابن وهب عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة مرفوعا به فلمالك فيه إسنادان .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث