الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وحدثني عن مالك عن أبي الزبير المكي عن طاوس اليماني عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل يقول اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ولك الحمد أنت قيام السموات والأرض ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن أنت الحق وقولك الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت

التالي السابق


500 503 - ( مالك ، عن أبي الزبير ) محمد بن مسلم ( المكي ، عن طاوس اليماني ، عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كان إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل يقول ) في موضع نصب خبر كان .

وقال الطيبي : الظاهر أنه جواب ( إذا ) ، والجملة الشرطية خبر كان ، وظاهره أنه كان يقول أول ما يقوم إلى الصلاة .

ولابن خزيمة من طريق قيس بن سعد عن طاوس عن ابن عباس : كان ، صلى الله عليه وسلم ، إذا قام للتهجد قال بعدما يكبر : ( اللهم لك الحمد ) والوصف بالجميل على التفضيل وأل فيه للاستغراق ( أنت نور السماوات والأرض ) أي منورهما وبك يهتدي من فيهما ، وقيل معناه أنت المنزه من كل عيب ، يقال فلان منور أي مبرأ من كل عيب ، ويقال هو مدح تقول : فلان نور البلد أي مزينه . ( ولك الحمد أنت قيام ) بفتح التحتية المشددة فألف ، وكذا في رواية قيس بن سعد الحنظلي المكي عند مسلم وأبي داود بزنة فعال صيغة مبالغة .

وفي رواية سليمان الأحول عن طاوس في الصحيحين : ( قيم ) ، وهما والقيوم بمعنى واحد . ( السماوات والأرض ) زاد في رواية : " ومن فيهن " أي أنت الذي تقوم [ ص: 54 ] بحفظهما وحفظ من أحاطت به واشتملت عليه ، تؤتي كلا ما به قوامه وتقوم كل شيء من خلقك بما تراه من تدبيرك .

وفي البخاري قال مجاهد : القيوم : القائم على كل شيء . وقرأ عمر القيام أي في آية الكرسي وكلاهما مدح أي بخلاف القيم ، فيستعمل في المدح والذم ، وقيل القيم : القائم بأمور الخلق ومدبر العالم في جميع أحواله ، ومنه قيم الطفل ، والقيوم والقيام : القائم بنفسه مطلقا لا بغيره ، ويقوم به كل موجود حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به ، فمن عرف ذلك استراح عن كد التدبير وتعب الاشتغال وعاش براحة التفويض ، فلا يضن بكريمة ولا يجعل في قلبه للدنيا كثير قيمة .

( ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن ) عبر بمن تغليبا للعقلاء على غيرهم ، فهو رب كل شيء ومليكه وكافله ومغذيه ومصلحه العود عليه بنعمه ، وتكرير الحمد للاهتمام بشأنه وليناط به كل مرة معنى آخر ، وتقديم الجار والمجرور إفادة التخصيص ، وكأنه لما خص الحمد بالله قيل له : لم خصصتني ؟ قال : لأنك القائم بحفظ المخلوقات إلى غير ذلك . ( أنت الحق ) أي المتحقق الوجود الثابت بلا شك فيه .

قال القرطبي : هذا الوصف له سبحانه وتعالى بالحقيقة خاص به لا ينبغي لغيره ، إذ وجوده بنفسه فلم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم بخلاف غيره . وقال ابن التين : يحتمل أنت الحق بالنسبة إلى من يدعي أنه إله ، أو بمعنى من سماك إلها فقد قال الحق . ( وقولك الحق ) أي مدلوله ثابت ( ووعدك الحق ) لا يدخله خلف ، ولا شك في وقوعه وهو من الخاص بعد العام . ( ولقاؤك حق ) المراد به البعث بعد الموت ، وهو عبارة عن مآل الخلق في الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال ، وقيل : معناه رؤيتك في الآخرة حيث لا مانع ، وقيل : الموت ، قال النووي : وهو باطل هنا . قال الحافظ : وهذا وما بعده داخل تحت الوعد لكن الوعد مصدر وما بعده هو الموعود به ، ويحتمل أنه من الخاص بعد العام . ( والجنة حق والنار حق ) أي كل منهما موجود ( والساعة حق ) أي يوم القيامة ، وأصل الساعة القطعة من الزمان ، وإطلاق اسم الحق على ما ذكر من الأمور معناه أنه لا بد من كونها ، وأنها ما يجب أن يصدق بها ، وتكرار لفظ ( حق ) مبالغة في التأكيد . زاد في رواية سليمان عن طاوس عند الشيخين : " والنبيون حق ، ومحمد حق " ، وعرف الحق في الثلاثة الأول . قال الطيبي : للحصر لأن الله هو الحق الثابت وما سواه في معرض الزوال ، قال لبيد :


ألا كل شيء ما خلا الله باطل

وكذا قوله : وكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره ، والتنكير في البواقي للتعظيم [ ص: 55 ] وقال السهيلي : التعريف للدلالة على أنه المستحق لهذا الاسم بالحقيقة إذ هو مقتضى الأداة ، وكذا قوله ووعده ; لأن وعده كلامه ، وتركت في البواقي ; لأنها أمور محدثة والمحدث لا يجب له البقاء من جهة ذاته ، وبقاء ما يدوم منه علم بخبر الصادق لا من جهة استحالة فنائه ، قال الطيبي : وهنا سر دقيق وهو أنه ، صلى الله عليه وسلم ، لما نظر إلى المقام الإلهي ومقربي حضرة الربوبية عظم شأنه وفخم منزلته حيث ذكر النبيين ، وعرفها بلام الاستغراق ، ثم خص محمدا ، صلى الله عليه وسلم ، من بينهم وعطفه عليهم إيذانا بالتغاير ، وأنه فائق عليهم بأوصاف مختصة به ، فإن تغاير الوصف بمنزلة التغاير في الذات ، ثم حكم عليه استقلالا بأنه حق وجرده عن ذاته كأنه غيره وأوجب عليه تصديقه ، ولما رجع إلى مقام العبودية ونظر إلى افتقار نفسه نادى بلسان الاضطرار في مطاوي الانكسار فقال : ( اللهم لك أسلمت ) انقدت وخضعت لأمرك ونهيك ( وبك آمنت ) أي صدقت ( وعليك توكلت ) أي فوضت أموري تاركا النظر في الأسباب العادية ( وإليك أنبت ) رجعت إليك مقبلا بقلبي عليك ( وبك ) أي بما أعطيتني من البرهان وبما لقنتني من الحجة ( خاصمت ) من خاصمني من الكفار أو بتأييدك ونصرك قاتلت ( وإليك حاكمت ) كل من جحد الحق وما أرسلتني به لا إلى من كانت الجاهلية تتحاكم إليه من كاهن ونحوه ، وقدم جميع صلات هذه الأفعال عليها إشعارا بالتخصيص وإفادة للحصر ، وكذا قوله ولك الحمد ( فاغفر لي ما قدمت ) قبل هذا الوقت ( وأخرت ) عنه ( وأسررت ) أخفيت ( وأعلنت ) أظهرت ، أو ما حدثت به نفسي وما تحرك به لساني ، زاد في رواية البخاري : " وما أنت أعلم به مني " وهو من العام بعد الخاص ، وقال ذلك مع أنه مغفور له إما تواضعا وهضما لنفسه وإجلالا وتعظيما لربه ، أو تعليما لأمته ليقتدى به ، قال الحافظ : كذا قيل ، والأولى أنه لمجموع ذلك إذ لو كان للتعليم فقط لكفى فيه أمرهم بأن يقولوا زاد في رواية سليمان عن طاوس : أنت المقدم والمؤخر ، أي المقدم لي في البعث يوم القيامة والمؤخر لي في البعث في الدنيا .

( أنت إلهي لا إله إلا أنت ) زاد في رواية البخاري : " ولا حول ولا قوة إلا بالله " قال الكرماني : هذا الحديث من جوامع الكلم ; لأن لفظ القيم إشارة إلى أن وجود الجواهر وقوامها منه ، والنور إلى أن الأعراض أيضا منه ، والملك إلى أنه حاكم عليها إيجادا وعدما يفعل ما يشاء ، وكل ذلك من نعمه على عباده فلذا قرن كلا منها بالحمد وخصص الحمد به .

ثم قوله : أنت الحق إشارة إلى المبدأ ، والقول ونحوه إلى المعاش ، والساعة ونحوها إشارة إلى المعاد ، وفيه الإشارة إلى النبوة ، وإلى الجزاء ثوابا وعقابا ، ووجوب الإيمان به والإسلام والتوكل والإنابة والتضرع إلى الله والخضوع له ، انتهى .

وفيه زيادة معرفته ، صلى الله عليه وسلم ، بعظمة ربه وعظيم قدرته ، ومواظبته على الذكر والدعاء والثناء على ربه ، والاعتراف [ ص: 56 ] لله بحقوقه ، والإقرار بصدق وعده . وأخرجه مسلم في الصلاة عن قتيبة بن سعيد ، والترمذي في الدعوات من طريق معن كليهما عن مالك به ، وله طرق في الصحيحين وغيرهما



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث