الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في صيام الذي يصبح جنبا في رمضان

وحدثني عن مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يقول كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة فذكر له أن أبا هريرة يقول من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم فقال مروان أقسمت عليك يا عبد الرحمن لتذهبن إلى أمي المؤمنين عائشة وأم سلمة فلتسألنهما عن ذلك فذهب عبد الرحمن وذهبت معه حتى دخلنا على عائشة فسلم عليها ثم قال يا أم المؤمنين إنا كنا عند مروان بن الحكم فذكر له أن أبا هريرة يقول من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم قالت عائشة ليس كما قال أبو هريرة يا عبد الرحمن أترغب عما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع فقال عبد الرحمن لا والله قالت عائشة فأشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم ذلك اليوم قال ثم خرجنا حتى دخلنا على أم سلمة فسألها عن ذلك فقالت مثل ما قالت عائشة قال فخرجنا حتى جئنا مروان بن الحكم فذكر له عبد الرحمن ما قالتا فقال مروان أقسمت عليك يا أبا محمد لتركبن دابتي فإنها بالباب فلتذهبن إلى أبي هريرة فإنه بأرضه بالعقيق فلتخبرنه ذلك فركب عبد الرحمن وركبت معه حتى أتينا أبا هريرة فتحدث معه عبد الرحمن ساعة ثم ذكر له ذلك فقال له أبو هريرة لا علم لي بذاك إنما أخبرنيه مخبر

التالي السابق


643 640 - ( مالك ، عن سمي ) بضم السين وفتح الميم وشد التحتية ( مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه سمع مولاه أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يقول : كنت أنا وأبي ) عبد الرحمن المدني ، له رؤية ، وكان من كبار ثقات التابعين ، وكنيته أبو محمد ، مات سنة ثلاث وأربعين ( عند مروان بن الحكم ) الأموي ، لم تصح له صحبة ، مات في رمضان سنة خمس وستين ( وهو أمير المدينة ) من جهة معاوية ( فذكر له ) بالبناء للفاعل ، ففي رواية لمسلم : فذكر له عبد الرحمن ، وللبخاري أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان ( أن أبا هريرة يقول : من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم ) لحديث الفضل بن عباس في مسلم ، وحديث أسامة بن زيد عند النسائي مرفوعا : " من أدركه الفجر جنبا فلا يصم " ، وللنسائي عن أبي هريرة : لا ورب هذا البيت ما أنا قلت : من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصوم ، محمد ورب الكعبة قاله ، ( فقال مروان : أقسمت عليك يا عبد الرحمن لتذهبن إلى أمي ) بضم الهمزة وفتح الميم ثقيلة تثنية أم ( المؤمنين عائشة وأم سلمة فلتسألنهما عن ذلك ) قال أبو بكر : ( فذهب عبد الرحمن ) يعني أباه ، ( وذهبت معه ) ووقع عند النسائي من رواية عبد ربه بن سعيد ، عن أبي عياض ، عن عبد الرحمن : أرسلني مروان إلى عائشة فأتيتها فلقيت غلامها ذكوان فأرسلته إليها فسألها عن ذلك فذكر الحديث مرفوعا ، قال : فأتيت مروان فحدثته [ ص: 237 ] فأرسلني إلى أم سلمة فأتيتها فلقيت غلامها نافعا فأرسلته إليها فسألها عن ذلك فذكر مثله . قال الحافظ : وفي إسناده نظر لأن أبا عياض مجهول ، فإن كان محفوظا فيجمع بأن كلا من الغلامين كان واسطة بين عبد الرحمن وبينهما في السؤال ، وسمع عبد الرحمن وابنه أبو بكر كلا منهما من وراء الحجاب بعد الدخول كما قال .

( حتى دخلنا على عائشة فسلم عليها ثم قال : يا أم المؤمنين إنا كنا عند مروان بن الحكم فذكر له أن أبا هريرة يقول : من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم ، قالت عائشة : ليس كما قال أبو هريرة يا عبد الرحمن أترغب عما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ؟ ) أي : لا تريده أنت بذلك مبالغة في الرد ( قال عبد الرحمن : لا والله ) لا أرغب عنه ( قالت عائشة : فأشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ) ، وفي رواية للنسائي : " كان يصبح جنبا مني " ( ثم يصوم ذلك اليوم ) الذي أصبح فيه جنبا ( ثم خرجنا حتى دخلنا على أم سلمة ) فسألها عبد الرحمن ( عن ذلك فقالت مثل ما قالت عائشة ) ظاهر المثلية أنها قالت : يا عبد الرحمن . . . إلخ ، لكن في رواية للنسائي فقالت أم سلمة : " كان يصبح جنبا مني فيصوم ويأمرني بالصيام " ، ( قال ) أبو بكر : ( فخرجنا حتى جئنا مروان بن الحكم فذكر له عبد الرحمن ما قالتا فقال مروان ) زاد في رواية للنسائي : الق أبا هريرة فحدثه بهذا فقال : إنه لجاري وإني لأكره أن أستقبله بما يكره ، وفي أخرى : إنه لي صديق ولا أحب أن أرد عليه ، فقال : ( أقسمت عليك يا أبا محمد ) كنية عبد الرحمن ( لتركبن دابتي فإنها بالباب فلتذهبن إلى أبي هريرة فإنه بأرضه بالعقيق فلتخبرنه ذلك ) الذي قالتاه .

وفي رواية للبخاري : " ثم قدر لنا أن نجتمع بذي الحليفة وكان لأبي هريرة هناك أرض ، فظاهره أنهم اجتمعوا من غير قصد ، ورواية مالك نص في القصد ، فيحمل قوله : ثم قدر لنا على المعنى الأعم من التقدير لا الاتفاق ، ولا تخالف بين قوله : " بذي الحليفة " وبين قوله : " بالعقيق " لاحتمال أنهما قصداه إلى العقيق فلم يجداه ثم وجداه بذي [ ص: 238 ] الحليفة وكان له بها أرض أيضا .

وفي رواية معمر ، عن الزهري ، عن أبي بكر فقال مروان : عزمت عليكما لما ذهبتما إلى أبي هريرة ، قال : فلقينا أبا هريرة عند باب المسجد ، والظاهر أن المراد به مسجده بالعقيق لا النبوي جمعا بين الروايتين ، أو يجمع بأنهما التقيا بالعقيق ، فذكر له عبد الرحمن القصة مجملة ولم يذكرها ، بل شرع فيها ثم لم يتهيأ له ذكر تفصيلها وسماع جواب أبي هريرة إلا بعد رجوعه إلى المدينة ، وأراد دخول المسجد النبوي قاله الحافظ ، ( فركب عبد الرحمن وركبت معه حتى أتينا أبا هريرة فتحدث معه عبد الرحمن ساعة ) وعند البخاري فقال له عبد الرحمن : إني ذاكر لك أمرا ولولا أن مروان أقسم علي فيه لم أذكره لك ( ثم ذكر له ذلك فقال أبو هريرة : لا علم لي بذلك ) من المصطفى بلا واسطة ( إنما أخبرنيه مخبر ) عنه ، ففي مسلم : فقال أبو هريرة : سمعت ذلك من الفضل بن عباس ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم .

وفي البخاري : فقال : كذلك أخبرني الفضل بن عباس ، وهو أعلم ؛ أي : بما روى ، والعهدة في ذلك عليه لا علي .

وفي رواية النسفي عن البخاري : " وهن أعلم " أي : أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم .

وفي مسلم : قال أبو هريرة : أهما قالتا ذلك ؟ قال : نعم ، قال : هما أعلم ، ورجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك ، وهذا يرجح رواية النسفي . وللنسائي : أخبرنيه أسامة بن زيد ، وله أيضا : أخبرنيه فلان وفلان فيحتمل أنه سمعه من الفضل وأسامة ، فأرسل الحديث أولا ثم أسنده لما سئل عنه ، وسبب رجوعه مع أنه سمعه منهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وحلف أنه قاله لشدة وثوقه بخبرهما أنه تعارض عنده الحديثان فجمع بينهما ، فتأول قوله : " أفطر أو فلا يصم " على أنه إرشاد إلى الأفضل ، فإن الأفضل أن يغتسل قبل الفجر ولو خالف جاز ، وفعله المصطفى لبيان الجواز ، ويكون حينئذ في حقه أفضل لتضمنه البيان للناس وهو مأمور بالبيان ، كما توضأ مرة مرة في بعض الأوقات لبيان الجواز وطاف على البعير كذلك ، ومعلوم أن التثليث والمشي في الطواف أفضل وهو الذي تكرر منه صلى الله عليه وسلم ، ونظائره كثيرة .

قال الحافظ : ويعكر عليه التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر وبالنهي عن الصيام ، فكيف يصح الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان ؟ أو لعله يحمل على من أدركه الفجر مجامعا فاستدام بعد طلوعه عالما فإنه يفطر ولا صوم له ، ويعكر عليه ما رواه النسائي عن أبي هريرة أنه كان يقول : " من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم " .

وأجاب ابن المنذر بأنه منسوخ ، وأنه كان في أول الأمرين كان الجماع محرما في الليل بعد النوم ، كما كان الطعام والشراب محرما فنسخ ذلك ، ولم يعلمه أبو هريرة فكان يفتي بما علمه حتى بلغه الناسخ فرجع إليه ، قال : وهذا أحسن ما سمعت فيه .

قال الحافظ : ويقويه حديث عائشة السابق من قول الرجل " غفر الله [ ص: 239 ] لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر " ، فإن الآية نزلت سنة ست ، وابتداء الصوم كان في السنة الثانية ، ووافق على دعوى النسخ الخطابي وغير واحد .

وأجيب أيضا بأن حديث عائشة وأم سلمة أولى بالاعتماد ؛ لأنهما أعلم بمثل هذا من غيرهما ، وجاء عنهما من طرق كثيرة جدا بمعنى واحد ، حتى قال ابن عبد البر : أنه صح وتواتر ، وصرح البخاري برجحانه ، ونقله البيهقي وغيره عن الشافعي ، ولأن الفعل مرجح على القول عند بعض الأصوليين ، ولأنه وافق القرآن ؛ لأنه أباح المباشرة إلى الفجر وهي الجماع ، فإذا أبيح حتى يتبين الفجر ، فمعلوم أن الاغتسال إنما يقع بعده ، وقد قال تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل ( سورة البقرة : الآية 187 ) ولأنه وافق المعقول وهو أن الغسل شيء وجب بإنزال وليس في فعله شيء محرم على الصائم فقد يحتلم بالنهار فيجب عليه الغسل ويتم صومه إجماعا ، وكذا إذا احتلم ليلا من باب الأولى ، وإنما يمنع الصائم من تعمد الجماع نهارا ، وهذا الحديث رواه البخاري ، عن القعنبي ، عن مالك ولم يسق لفظه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث