الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وحدثني عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال حين خرج إلى مكة معتمرا في الفتنة إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بعمرة من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بعمرة عام الحديبية ثم إن عبد الله نظر في أمره فقال ما أمرهما إلا واحد ثم التفت إلى أصحابه فقال ما أمرهما إلا واحد أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة ثم نفذ حتى جاء البيت فطاف طوافا واحدا ورأى ذلك مجزيا عنه وأهدى

قال مالك فهذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدو كما أحصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأما من أحصر بغير عدو فإنه لا يحل دون البيت

التالي السابق


808 797 ( مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر : أنه قال حين خرج ) : أي أراد أن يخرج ( إلى مكة معتمرا في الفتنة ) ، حين نزل الحجاج لقتال ابن الزبير ، كما في الصحيحين من وجه آخر ، وذكر أصحاب الأخبار ، أنه لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية ، ولم يستخلف بقي الناس بلا خليفة شهرين ، وأياما ، فأجمع أهل الحل ، والعقد من أهل مكة ، فبايعوا عبد الله بن [ ص: 439 ] الزبير وتم له ملك الحجاز ، والعراق ، وخراسان ، وأعمال المشرق ، وبايع أهل الشام ، ومصر مروان بن الحكم ، فلم يزل الأمر كذلك حتى مات مروان ، وولي ابنه عبد الملك ، فمنع الناس الحج خوفا أن يبايعوا ابن الزبير ، ثم بعث جيشا أمر عليه الحجاج ، فقاتل أهل مكة ، وحاصرهم حتى غلبهم ، وقتل ابن الزبير ، وصلبه ، وذلك سنة ثلاث وسبعين .

وقال ابن عمر ذلك جوابا لقول ولديه : عبيد الله ، وسالم : لا يضرك أن لا تحج العام إنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت كما في الصحيحين من وجه آخر عن نافع .

وفي رواية أخرى ، فقال : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) ( سورة الأحزاب : الآية 21 ) .

( إن صددت ) - بضم الصاد - مبني للمفعول ، أي منعت ( عن البيت صنعنا ) أنا ، ومن معي ( كما صنعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) من التحلل حيث منعوه من دخول مكة بالحديبية .

وفي رواية تأخير تلاوة الآية إلى هنا ، قال عياض : توقع الحصر ، ولم يتحققه إذ لو تحققه ، لم تثبت له رخصة الحصر ، لأنه غرر بإحرامه ، بالإجماع ، وتعقبه الأبي بأنه لا يلزم من تحققه أن لا يترخص ؛ لجواز أنه تحقق واشترط على ما في حديث ضباعة ، ( فأهل ) ابن عمر ( بعمرة ) زاد في رواية جويرية : من ذي الحليفة ، وفي رواية أيوب عن نافع فأهل بالعمرة من الدار ، أي المنزل الذي نزله بذي الحليفة ، أو المراد داره بالمدينة ، فيكون أهل بالعمرة من داخل بيته ، ثم أظهرها بعد أن استقر بذي الحليفة ( من أجل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل بعمرة عام الحديبية ) سنة ست ، ليحصل له الموافقة ، ( ثم إن عبد الله نظر في أمره ، فقال ما أمرهما ) ، أي الحج ، والعمرة ، ( إلا واحد ) في حكم الحصر ، فإذا جاز التحلل في العمرة مع أنها محدودة بوقت ، فهو في الحج أجوز ، وفيه العمل بالقياس ، ( ثم التفت إلى أصحابه ) ، فأخبرهم بما أداه إليه نظره ، ( فقال : ما أمرهما إلا واحد ) - بالرفع - وفي رواية الليث عن نافع : " ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال : ما شأن الحج ، والعمرة إلا واحد " ، ( أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة ) ، وعبر بأشهدكم ، ولم يكتف بالنية ، ليعلم من اقتدى به أنه انتقل نظره للقران لاستوائهما في حكم الحصر ، ( ثم نفذ ) - بالذال المعجمة - مضى ولم يصد ، ( حتى جاء البيت ، فطاف طوافا واحدا ) لقرانه بعد الوقوف بعرفة ، وبه قال الأئمة الثلاثة والجمهور .

وقال أبو حنيفة ، والكوفيون على القارن طوافان ، وسعيان ، وأولوا قوله : طوافا واحدا على أنه طاف لكل منهما طوافا يشبه الطواف الذي للآخر ولا يخفى ما [ ص: 440 ] فيه ورده قوله ( ورأى ذلك مجزيا ) - بضم الميم ، وسكون الجيم ، وكسر الزاي بلا همز - كافيا ( عنه ) ، إذ على هذا الحمل يضيع ، إذ كل من طاف طوافين لا يقال إنه مجزي ، ويمنع التأويل على بعده قوله في رواية : أنه قد قضى طواف الحج ، والعمرة بطوافه الأول ، وقد روى سعيد بن منصور عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من جمع بين الحج ، والعمرة ، كفاه لهما طواف واحد ، وسعي واحد " ، فهذا صريح في المراد .

( وأهدى ) - بفتح الهمزة - فعل ماض من الإهداء زاد القعنبي شاة ، وفي رواية الليث : هديا اشتراه بقديد ، وقال ابن عمر : كذلك فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قوله مجزيا بالنصب مفعول رأى ، ووقع في البخاري ورأى أن ذلك مجزيا بزيادة أن ، والنصب على أنها تنصب الجزأين ، أو خبر كان محذوفة ، ولبعض رواته مجزئ - بالرفع ، والهمز - خبر أن ، قال الحافظ : والذي عندي أن النصب خطأ من الكاتب ، فإن أصحاب الموطأ اتفقوا على روايته بالرفع على الصواب ، وتعقب بأن حكايته اتفاقهم على ذلك دعوى بلا دليل ، وبتقدير اتفاقهم عليه لا يستلزم أن النصب خطأ ، مع أن له وجها في العربية ، انتهى .

ولعل ذلك كله في رواية يحيى ، ومن وافقه ، فليس فيها أن ، فنصب مجزيا متعين ، وهذا الحديث رواه البخاري هنا عن إسماعيل بتمامه ، وقبله بقليل عن عبد الله بن يوسف مختصرا بدون قوله ، ثم إن عبد الله نظر إلى آخره ، وفي المغازي عن قتيبة مختصرا كذلك ، ومسلم عن يحيى ، تاما الثلاثة عن مالك ، وتابعه أيوب والليث في الصحيحين ، وجويرية بن أسماء عند البخاري ، وعبيد الله عند مسلم ، كلهم عن نافع بنحوه ، ( قال مالك : فهذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدو ) ، يفعل ( كما أحصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ) ، أي كفعله من التحلل ، ونحر هديه ، ولا قضاء ، لأن الله تعالى قال : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ( سورة البقرة : الآية 196 ) ، ولم يذكر قضاء ، وقد تخلف جماعة في عمرة القضية ممن كان معه - صلى الله عليه وسلم - في الحديبية بلا ضرورة في نفس ، ولا مال ، ولم يأمرهم المصطفى بعدم التخلف ، ولا بالقضاء ، ( فأما من أحصر بغير عدو ) كمرض ، ( فإنه لا يحل دون البيت ) ، وبهذا قال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وجماعة ، خلافا لأبي حنيفة ، ككثير من الصحابة ، وغيرهم في أنه عام في كل حابس من عدو ومرض ، وغيرهما ، حتى أفتى ابن مسعود رجلا لدغ أنه محصر ، رواه ابن حزم والطحاوي لنا أن الآية وردت في حكم إحصاره - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، وكان بالعدو ، وقال في سياق الآية : " إذا أمنتم " فعلم أن مشروعية الإحلال في العدو كان لتحصيل الأمن منه ، والإحلال لا يجوز من المرض ، فلا يكون الإحصار بالمرض في [ ص: 441 ] معناه فلا يكون النص الوارد في العدو واردا في المرض ، فلا يلحق به دلالة ولا قياسا لأن مشروعية التحلل قبل أداء الأفعال بعد الشروع في الإحرام على خلاف القياس ، فلا يقاس عليه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث