الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء فيمن أحصر بغير عدو

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وحدثني عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن سعيد بن حزابة المخزومي صرع ببعض طريق مكة وهو محرم فسأل على الماء الذي كان عليه عن العلماء فوجد عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم فذكر لهم الذي عرض له فكلهم أمره أن يتداوى بما لا بد له منه ويفتدي فإذا صح اعتمر فحل من إحرامه ثم عليه حج قابل ويهدي ما استيسر من الهدي

قال مالك وعلى هذا الأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو وقد أمر عمر بن الخطاب أبا أيوب الأنصاري وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج وأتيا يوم النحر أن يحلا بعمرة ثم يرجعا حلالا ثم يحجان عاما قابلا ويهديان فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله

قال مالك وكل من حبس عن الحج بعد ما يحرم إما بمرض أو بغيره أو بخطإ من العدد أو خفي عليه الهلال فهو محصر عليه ما على المحصر

قال يحيى سئل مالك عمن أهل من أهل مكة بالحج ثم أصابه كسر أو بطن متحرق أو امرأة تطلق قال من أصابه هذا منهم فهو محصر يكون عليه مثل ما على أهل الآفاق إذا هم أحصروا قال مالك في رجل قدم معتمرا في أشهر الحج حتى إذا قضى عمرته أهل بالحج من مكة ثم كسر أو أصابه أمر لا يقدر على أن يحضر مع الناس الموقف

قال مالك أرى أن يقيم حتى إذا برأ خرج إلى الحل ثم يرجع إلى مكة فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ثم يحل ثم عليه حج قابل والهدي قال مالك فيمن أهل بالحج من مكة ثم طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ثم مرض فلم يستطع أن يحضر مع الناس الموقف قال مالك إذا فاته الحج فإن استطاع خرج إلى الحل فدخل بعمرة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة لأن الطواف الأول لم يكن نواه للعمرة فلذلك يعمل بهذا وعليه حج قابل والهدي فإن كان من غير أهلمكة فأصابه مرض حال بينه وبين الحج فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة حل بعمرة وطاف بالبيت طوافا آخر وسعى بين الصفا والمروة لأن طوافه الأول وسعيه إنما كان نواه للحج وعليه حج قابل والهدي

التالي السابق


812 802 - ( مالك عن يحيى بن سعيد ، عن سليمان بن يسار : أن سعيد بن حزابة ) - بضم الحاء المهملة ، وفتح الزاي ، فألف ، فموحدة ، فهاء - ( المخزومي صرع ببعض طريق مكة وهو محرم ، فسأل على الماء الذي كان عليه ) عن العلماء ، ( فوجد عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، ومروان بن الحكم ، فذكر لهم الذي عرض له ، فكلهم أمره أن يتداوى بما لا بد له منه ويفتدي ) للتداوي [ ص: 443 ] ( فإذا صح اعتمر فحل من إحرامه ) بفعل العمرة ، ( ثم عليه حج قابل ، ويهدي ما استيسر ) - تيسر - ( من الهدي ، قال مالك : وعلى هذا الأمر عندنا ) بالمدينة ( فيمن أحصر بغير عدو ) ، أنه لا يحل إلا بفعل العمرة ، وقال به جملة من فقهاء مكة ، وابن عمر ، وعائشة ، وابن عباس ، وابن الزبير ، فأين المعدل عن هذا ؟ وزاد ذلك تقوية بقوله : ( وقد أمر عمر بن الخطاب أبا أيوب ) خالد بن زيد البدري ( الأنصاري ) أحد كبار الصحابة الفقهاء ، كما يأتي موصولا ، عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار ، أن أبا أيوب فذكره ، ( وهبار بن الأسود ) الصحابي ، كما يأتي موصولا أيضا ، عن نافع عن سليمان بن يسار أن هبارا ( حين فاتهما الحج ، وأتيا يوم النحر ، أن يحلا بعمرة ، ثم يرجعا حلالا ) من كل شيء حرم عليهما ، ( ثم يحجان عاما قابلا ) - بالنصب على الظرفية ، والصفة - ( ويهديان ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج ، وسبعة إذا رجع إلى أهله ) ، وفي البخاري : عن سالم ، قال : " كان ابن عمر يقول : أليس حسبكم سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم حل من كل شيء ، حتى يحج عاما قابلا ، فيهدي ، أو يصوم إن لم يجد هديا " وقول الصحابي : السنة كذا له حكم الرفع ، فهو نص في محل النزاع .

( قال مالك : وكل من حبس عن الحج بعدما يحرم إما بمرض ، أو بغيره ، أو بخطأ من العدد ، أو خفي عليه الهلال ، فهو محصر عليه ما على المحصر ) يتحلل بفعل عمرة ، وعليه دم .

( وسئل مالك عمن أهل من مكة بالحج ، ثم أصابه كسر ) لبعض أعضائه ، ( أو بطن متحرق ) ، أي إسهال بطن منعه ، ( أو امرأة تطلق ) أخذها المخاض - وهو وجع الولادة - ( قال : من أصابه هذا منهم ، فهو محصر يكون عليه مثل ما على أهل الآفاق إذا هم أحصروا ) ، [ ص: 444 ] فلا فرق بين المكيين ، وغيرهم .

( قال مالك في رجل قدم معتمرا في أشهر الحج حتى إذا قضى عمرته أهل بالحج من مكة ، ثم كسر ) - بضم فكسر - مبني للمجهول ، ( أو أصابه أمر لا يقدر على أن يحضر مع الناس الموقف ) بعرفة ، ( قال مالك : أرى أن يقيم حتى إذا برأ ) - بفتح الباء ، والراء من باب نفع ، وبكسر الراء أيضا من باب تعب ، وفي لغة : بضم الراء من باب قرب - صح من مرضه ، ( خرج إلى الحل ) ليأتي بعمرة ، ( ثم يرجع إلى مكة ، فيطوف بالبيت وبين ) ، وفي نسخة : ويسعى بين ( الصفا والمروة ، ثم يحل ، ثم عليه حج قابل والهدي ) جبرا لذلك ، ( قال مالك فيمن أهل بالحج من مكة ، ثم طاف بالبيت ، وسعى بين الصفا والمروة ) : إخبار من السائل عن فعله الذي وقع منه جهلا ، فلا ينافي أن المحرم من مكة إنما يطوف ، ويسعى بعد الوقوف بعرفة ، ( ثم مرض فلم يستطع أن يحضر مع الناس الموقف ) بعرفة ، ( قال مالك ) : أعاده ليفصل بين السؤال والجواب ( إذا فاته الحج ) بكونه لم يأت منه في الصورة المذكورة إلا بالإحرام ، وطوافه ، وسعيه لا يعتد بهما ؛ لأنه قبل الوقوف ، ( فإن استطاع خرج إلى الحل ، فدخل بعمرة ، فطاف بالبيت ، وسعى بين الصفا والمروة ) ، وعلل إعادتهما دفعا لتوهم السائل أنه فعلهما ، فيجزيه عن طواف وسعي العمرة التي لزمته وإن لم تجزه عن حجه بقوله : ( لأن الطواف الأول لم يكن نواه للعمرة ) التي يأتي بها للإحلال ، ( فلذلك يعمل بهذا ) ، أي يأتي بالطواف ، والسعي ، ( وعليه حج قابل ، والهدي ) ، قال الجوهري : قبل وأقبل بمعنى يقال : عام قابل ، أي مقبل ، ( فإن كان من غير أهل مكة ، فأصابه مرض حال بينه ، وبين الحج ، فطاف بالبيت ، وسعى بين الصفا والمروة ، حل بالعمرة ، وطاف بالبيت طوافا آخر ، وسعى بين الصفا والمروة [ ص: 445 ] لأن طوافه الأول ، وسعيه إنما كان نواه للحج ) الذي فاته ، وحاصله أن لا فرق فيمن فاته الحج بين من بمكة ، وغيرهم في أنه إنما يحل بفعل عمرة ، إلا أن من بها يخرج إلى الحل ، ليأتي بعمرة بخلاف من أتى محرما من الحل ، ( وعليه حج ) عام ( قابل ، والهدي ) .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث