الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وحدثني مالك عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه فليعجل إلى أهله

التالي السابق


1835 1788 - ( مالك عن سمي ) - بضم المهملة ، وفتح الميم ، وشد التحتية - ( مولى أبي بكر ) ابن عبد الرحمن القرشي المخزومي ، قال ابن عبد البر : انفرد به مالك ، وسمي ، فلا يصح لغيره عنه ، وانفرد به سمي أيضا فلا يحفظ عن غيره ، وليس له غير هذا الإسناد من وجه يصح .

[ ص: 626 ] وقال الحافظ : كذا هو في الموطأ .

وصرح يحيى النيسابوري عن مالك بتحديث سمي له ، وشذ خالد بن مخلد ، فقال : مالك عن سهيل بدل سمي ، أخرجه ابن عدي ، وذكر الدارقطني أن ابن الماجشون رواه عن مالك عن سهيل ، وأنه وهم فيه رواية عن ابن الماجشون ، وقد خالفه غيره عنه ، فقال عن سمي ، وهو المحفوظ عن مالك ، قاله ابن عدي ، والدارقطني ، وغيرهما ، ولم يروه عن سمي غير مالك ، قال ابن عبد البر : ثم أسند عن عبد الملك بن الماجشون قال : قال مالك : ما لأهل العراق يسألوني عن حديث : السفر قطعة من العذاب ؟ فقيل له : لم يروه عن سمي أحد غيرك ، فقال : لو عرفت ما حدثت به ، وكان مالك : ربما أرسله ، انتهى .

وفي التمهيد رواه ابن مهدي ، وبسر بن معمر عن مالك مرسلا ، وهذا إنما هو من نشاط المحدث وكسله ، أحيانا ينشط فيسند ، وأحيانا يكسل فيرسل على حسب المذاكرة ، والحديث مسند صحيح ثابت احتاج الناس فيه إلى مالك ، انتهى .

ورواه عتيق بن يعقوب عن مالك عن أبي النضر ، أخرجه الدارقطني ، والطبراني ، ووهم فيه أيضا على مالك ، ورواه رواد بن الجراح عن مالك عن ربيعة عن القاسم عن عائشة ، وعن سمي . . . إلخ ، فزاد فيه إسنادا آخر ، قال الدارقطني : أخطأ فيه رواد ، قال ابن عبد البر : وليس رواد ممن يحتج به ، ولا يعول عليه ، وأخرجه ابن عبد البر من طريق أبي مصعب عن عبد العزيز الدراوردي عن سهيل عن أبيه ، وهذا يدل على أن له في حديث سهيل أصلا ، وأن سميا لم ينفرد به ( عن أبي صالح ) ذكوان الزيات ، ورواه حمد عن سعيد المقبري ، وابن عدي عن جهمان ، كلاهما عن أبي هريرة ، فلم ينفرد به أبو صالح ، ( عن أبي هريرة ) ، ولم ينفرد به أيضا ، فرواه الدارقطني ، والحاكم بإسناد جيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، بل في الباب عن ابن عباس ، وابن عمر ، وأبي سعيد ، وجابر عند ابن عدي بأسانيد ضعيفة .

( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : السفر قطعة ) ، أي : جزء ( من العذاب ) ، أي : الألم الناشئ عن المشقة لما يحصل في الركوب ، والمشي من ترك المألوف ، كالحر والبرد والخوف وخشونة العيش والفراق للأحباب ، سئل إمام الحرمين حين جلس موضع أبيه : لم كان السفر قطعة من العذاب ؟ فأجاب على الفور : لأن فيه فراق الأحباب ، ( يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه ) ، بنصب الثلاثة بنزع الخافض ، أو على أنه مفعول ثان ليمنع ؛ لأنه يطلب مفعولين كأعطى ، وفصله عما قبله استئنافا كالجواب لمن قال : لم كان ذلك ؟ فقال : يمنع أي : وجه التشبيه الاشتمال على المشقة .

وقد جاء التعليل في رواية سعيد المقبري ولفظه : السفر قطعة من العذاب ؛ لأن الرجل يشغل فيه عن صلاته ، وصيامه ، فذكر [ ص: 627 ] الحديث ، والمراد منع الكمال لا الأصل .

وللطبراني بلفظ : لا يهن أحدكم نومه ، ولا طعامه ولا شرابه .

ولابن عدي في حديث ابن عمر : وإنه ليس له دواء إلا سرعة السير ، والمراد منعه مما ذكر في الوقت الذي يريده لاشتغاله بمسيره .

( فإذا قضى أحدكم نهمته ) - بفتح النون ، وسكون الهاء - قال ابن التين : وضبطناه أيضا بكسر النون ، أي : حاجته بأن بلغ همته ، ( من وجهه ) ، أي : من مقصده .

ولابن عدي في حديث ابن عباس : " فإذا قضى أحدكم وطره من سفره " ، وفي رواية رواه : " فإذا فرغ أحدكم من حاجته " ، ( فليعجل ) - بضم التحتية ، وكسر الجيم مشددة - الرجوع ( إلى أهله ) ، فحذف المفعول ، وفي رواية عتيق : " فليعجل الرجوع إلى أهله " ، وفي رواية أبي مصعب : " فليعجل الكرة إلى أهله " ، وفي حديث عائشة : " فليعجل الرحلة إلى أهله فإنه أعظم لأجره " ، قال ابن عبد البر : زاد فيه بعض الضعفاء عن مالك : " وليتخذ لأهله هدية ، وإن لم يجد إلا حجرا فلينقله في مخلاته " ، والحجارة يومئذ يضرب بها القداح ، يعني حجر الزناد ، قال : وهي زيادة منكرة لا تصح .

وفي الحديث كراهة التغرب عن الأهل بلا حاجة ، وندب استعجال الرجوع لا سيما من يخشى عليهم الضيعة ، ولما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا ، وتحصيل الجماعات والقوة على العبادات .

قال ابن بطال : ولا تعارض بين الحديث ، وحديث ابن عمر مرفوعا : " سافروا تصحوا " ؛ لأنه لا يلزم من الصحة بالسفر لما فيه من الرياضة أن لا يكون قطعة من العذاب لما فيه من المشقة ، فصار كالدواء المر المعقب للصحة ، وإن كان في تناوله كراهة ، واستنبط منه الخطابي تغريب الزاني ؛ لأنه قد أمر بتعذيبه ، والسفر من جملة العذاب ، ولا يخفى ما فيه ، وأخرجه البخاري في الحج عن القعنبي ، وفي الجهاد عن التنيسي ، وفي الأطعمة عن أبي نعيم الفضل بن دكين ، ومسلم في المغازي عن يحيى النيسابوري ، والقعنبي ، وإسماعيل بن أبي أويس ، وأبي مصعب الزبيري ، ومنصور بن أبي مزاحم ، وقتيبة بن سعيد ، الثمانية عن مالك به ، وورد على سؤال من الشام : هل ورد السفر قطعة من سقر ؟ كما هو دارج على الألسنة ، وإذا قلتم : لم يرد ، هل تجوز روايته بمعنى الحديث الصحيح : " السفر قطعة من العذاب " ، فأجيب : لم أقف على هذا اللفظ الدارج على الألسنة ، ولم يذكره الحافظان : السخاوي ، والسيوطي في الأحاديث المشهورة على الألسنة ، مع ذكرهما الحديث الصحيح المذكور ، فلعل هذا اللفظ مما حدث بعدهما ، ولا تجوز روايته بمعنى الحديث الوارد ، إذ من شرط الرواية بالمعنى على قول الأكثر بجوازها ؛ أن يقطع بأنه أدى بمعنى اللفظ الوارد ، و " قطعة من سقر " لا يؤدي معنى " قطعة من العذاب " بمعنى التألم من المشقة ؛ لأن لفظ سقر كونه تشبيها بليغا ، أو استعارة يقتضي قوة المشقة جدا ، ففي التنزيل : ( ولعذاب الآخرة أشق ) ( سورة الرعد : الآية 34 ) ، فلا يؤدي على طريق القطع معنى [ ص: 628 ] العذاب المجهول على مشقات الدنيا ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث