الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب كيفية القتال ( وإذا دخل المسلمون دار الحرب ، فحاصروا مدينة أو حصنا دعوهم إلى الإسلام ) لما روى ابن عباس رضي الله عنهما { أن النبي عليه الصلاة والسلام ما قاتل قوما حتى دعاهم إلى الإسلام }.

قال [ ص: 224 - 225 ]

( فإن أجابوا كفوا عن قتالهم ) لحصول المقصود : وقد قال صلى الله عليه وسلم : { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله }الحديث .

[ ص: 226 ] ( وإن امتنعوا دعوهم إلى أداء الجزية ) به أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام أمراء الجيوش ، ولأنه أحد ما ينتهي به القتال على ما نطق به النص ، وهذا في حق من تقبل منه الجزية ، ومن لا تقبل منه كالمرتدين وعبدة الأوثان من العرب لا فائدة في دعائهم إلى قبول الجزية ; لأنه لا يقبل منهم إلا الإسلام .

قال الله تعالى : { تقاتلونهم أو يسلمون }.

[ ص: 227 ] ( فإن بذلوها فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ) لقول علي رضي الله عنه : إنما بذلوا الجزية ، ليكون دماؤهم كدمائنا ، وأموالهم كأموالنا .

والمراد بالبذل القبول وكذا المراد بالإعطاء المذكور فيه في القرآن ، والله أعلم .

التالي السابق


باب كيفية القتال

الحديث الأول : روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قاتل قوما حتى دعاهم إلى الإسلام }قلت : رواه عبد الرزاق في " مصنفه " حدثنا سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن ابن عباس ، قال : { ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى دعاهم }انتهى .

وكذلك رواه الحاكم في " المستدرك في كتاب الإيمان " ، وقال : حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه انتهى .

ورواه أحمد في " مسنده " ، والطبراني في " معجمه " ، والله أعلم .

أحاديث الباب : روى أحمد في " مسنده " حدثنا يزيد بن هارون ثنا أبو حباب الكلبي [ ص: 224 ] عن يحيى بن هانئ بن عروة عن { فروة بن مسيك ، قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أقاتل بمقبل قومي مدبرهم ؟ قال : نعم ، فلما وليت دعاني ، فقال : لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام } ، مختصر .

{ حديث آخر } : وروى عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا عمر بن ذر عن يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن علي { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين بعثه : لا تقاتل قوما حتى تدعوهم }انتهى .

{ حديث آخر } : روى الطبراني في " معجمه الأوسط " من حديث سفيان عن عمر بن ذر عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك { أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا إلى قوم يقاتلهم } ، وقال له ، إلى آخره وقال : لم يروه عن إسحاق ، إلا عمر بن ذر .

{ حديث آخر } : أخرجه أحمد في " مسنده " ، والحاكم في " المستدرك " عن حماد عن عطاء بن السائب عن أبي البختري عن سلمان أنه انتهى إلى حصن . أو مدينة ، فقال لأصحابه : دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم ، فقال : إنما كنت رجلا منكم فهداني الله للإسلام ، فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا ، وإن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون ، فإن أبيتم نابذناكم على سواء ، إن الله لا يحب الخائنين ، ففعل ذلك بهم ثلاثة أيام ، فلما كان في اليوم الرابع أمر الناس فغدوا إليها ففتحوها

انتهى .

{ حديث آخر } : استدل بعض العلماء على وجوب الدعوة قبل القتال بما أخرجه الأئمة الستة عن أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن ، وقال له : إنك تقدم على قوم أهل كتاب ، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله } ، الحديث ، ولكنا نقول : إنه سقط الوجوب بحديث { أنه عليه السلام أغار على بني المصطلق فتبقى السنة ، }والله أعلم .

[ ص: 225 ] الحديث الثاني : قال عليه السلام : { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله }قلت : روي من حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عمر ومن حديث جابر ومن حديث عمر ومن حديث أنس .

فحديث أبي هريرة أخرجه البخاري ، ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، من قال : لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه ، وحسابه على الله }انتهى .

وفي لفظ لمسلم : { حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، ويؤمنوا بي وبما جئت به ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله }انتهى .

وحديث عمر : أخرجه البخاري ، ومسلم أيضا عن أبي هريرة قال : { لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده ، وكفر من كفر من العرب ، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر رضي الله عنهما : كيف تقاتل الناس ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله فمن قال : لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ، ونفسه إلا بحقه ، وحسابه على الله ؟ قال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه ، فقال عمر : فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال ، فعرفت أنه الحق }انتهى .

وفي لفظ للبخاري : { والله لو منعوني عناقا } ، أخرجه في الزكاة .

وحديث ابن عمر : أخرجاه أيضا عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوه عصموا مني دماءهم وأموالهم ، وحسابهم على الله }انتهى .

زاد البخاري : { إلا بحق الإسلام }.

وحديث جابر : أخرجه مسلم عن أبي الزبير عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله } ، بلفظ حديث أبي هريرة ، وزاد : { ثم قرأ [ ص: 226 ] { إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر } }

انتهى .

وحديث أنس : أخرجه البخاري عنه في " الصلاة " قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها ، وصلوا صلاتنا ، واستقبلوا قبلتنا ، وذبحوا ذبيحتنا ، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله } ، انتهى .

وفيه { حديث آخر } : أخرجه مسلم عن طارق بن أشيم ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { من قال : لا إله إلا الله ، وكفر بما يعبد من دون الله . حرم الله ماله ودمه ، وحسابه على الله }

، وفي لفظ { من وحد الله } ، أخرجها كلها مسلم في " الإيمان " .

الحديث الثالث : روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أمراء الجيوش بأخذ الجزية من الكفار إذا امتنعوا من الإسلام }قلت : أخرجه الجماعة إلا البخاري عن سليمان بن بريدة عن بريدة ، قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش ، أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ، ومن معه من المسلمين خيرا ، ثم قال : اغزوا باسم الله في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ، ولا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا ، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم ، وكف عنهم : ادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم ، وكف عنهم . ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين ، وعليهم ما عليهم ، فإن أبوا أن يتحولوا منها ، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين ، [ ص: 227 ] يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء ، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ، فإن هم أبوا فاسألوهم الجزية ، فإن هم أجابوك فاقبل منهم ، وكف عنهم ، فإن هم أبوا فاستعن بالله ، وقاتلهم ، وإذا حاصرت أهل حصن ، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك ، فإنكم إن تخفروا ذمتكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله ، وإذا حاصرت أهل حصن ، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله ، فلا تنزلهم على حكم الله ، ولكن أنزلهم على حكمك ، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ، ثم اقضوا فيهم بعدما شئتم }

انتهى .

زاد مسلم في رواية : قال سفيان : قال علقمة : فذكرت هذا الحديث لمقاتل بن حبان ، فقال : حدثني مسلم بن هيضم عن النعمان بن مقرن عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو حديث بريدة انتهى .

قوله : روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا ، وأموالهم كأموالنا قلت : غريب ، وأخرج الدارقطني في " سننه " عن الحكم عن حسين بن ميمون عن أبي الجنوب الأسدي ، قال : قال علي بن أبي طالب : من كانت له ذمتنا ، فدمه كدمنا ، وديته كديتنا انتهى .

قال الدارقطني : خالفه أبان بن تغلب ، فرواه عن حسين بن ميمون عن عبد الله بن عبد الله عن أبي الجنوب ، وأبو الجنوب ضعيف الحديث انتهى .

قلت : وحديث أبان الذي أشار إليه أخرجه الشافعي في " مسنده " ، فقال : أخبرنا محمد بن الحسن ثنا قيس بن ربيع الأسدي عن أبان بن تغلب عن الحسن بن ميمون به .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث