الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال : ( وعبدة الأوثان من العجم ) وفيه خلاف الشافعي رحمه الله . هو يقول : إن القتال واجب لقوله تعالى: { وقاتلوهم }إلا أنا عرفنا جواز تركه في حق أهل الكتاب بالكتاب ، وفي حق المجوس بالخبر فبقي من وراءهم على الأصل . ولنا : أنه يجوز استرقاقهم فيجوز ضرب الجزية عليهم إذ كل واحد منهما يشتمل على سلب النفس منهم ، فإنه يكتسب ويؤدي إلى المسلمين ونفقته في [ ص: 331 ] كسبه ( وإن ظهر عليهم قبل ذلك فهم ونساؤهم وصبيانهم فيء ) لجواز استرقاقهم ( ولا توضع على عبدة الأوثان من العرب ولا المرتدين ) لأن كفرهما قد تغلظ ، أما مشركو العرب فلأن النبي عليه الصلاة والسلام نشأ بين أظهرهم والقرآن نزل بلغتهم فالمعجزة في حقهم أظهر ، وأما المرتد فلأنه كفر بربه بعدما هدي للإسلام ووقف على محاسنه فلا يقبل من الفريقين إلا الإسلام أو السيف زيادة في العقوبة ، وعند الشافعي رحمه الله يسترق مشركو العرب ، وجوابه ما قلنا .

[ ص: 332 - 333 ] ( وإذا ظهر عليهم فنساؤهم وصبيانهم فيء ) لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه استرق نسوان بني حنيفة وصبيانهم لما ارتدوا وقسمهم بين الغانمين ( ومن لم يسلم من رجالهم قتل ) لما ذكرنا . .

التالي السابق


( وعبدة الأوثان من العجم الجزية ) قوله : روي أن أبا بكر رضي الله عنه استرق نسوان بني حنيفة وصبيانهم ، لما ارتدوا ، وقسمهم بين الغانمين ; قلت : روى الواقدي في " كتاب الردة " له : حدثني عبد العزيز بن أنس الطفري عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد ، فذكر وقعة اليمامة ، وهي قصة مسيلمة الكذاب ، وأصحابه بني حنيفة بطولها ، وفيها : أن أبا بكر رضي الله عنه أرسل إليهم خالد بن الوليد في جماعة من المسلمين ، فقتلهم ، وقتل مسيلمة ، وانهزم الباقون ، فتحصنوا في الحصون ، وقتل من المسلمين جماعة ، منهم أبو دجانة الأنصاري ، وجرح منهم خلق كثير ، وكانت مقتلة عظيمة ، إلى أن قال : وحدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد ، قال : ثم إن خالد بن الوليد صالحهم على أن يأخذ منهم الصفراء ، والبيضاء ، والكراع ، والسلاح ، ونصف السبي ، ثم دخل حصونهم صلحا ، فأخرج السلاح ، والكراع ، والأموال ، والسبي ، فجمع السلاح على حدة ، والكراع على حدة ، والدراهم والدنانير على حدة ، ثم قسم السبي قسمين ، وأقرع على القسمين ، فخرج سهمه على أحدهما ، وفيه مكتوب : لله ، ثم جزأ الذي صار له من السبي على خمسة أجزاء ، وكتب على كل سهم منها : لله ، وجزأ الكراع هكذا ، ووزن الفضة والذهب ، فعزل الخمس من ذلك كله ، فقسم على الناس أربعة أخماس ، وأسهم للفرس سهمين ، ولصاحبه سهما ، وعزل الخمس حتى قدم به على أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، قال : وحدثني ابن أبي سبرة عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ، قال : استعمل خالد بن الوليد على الخمس أبا نائلة ، ففرق منه أبو بكر في مواضع الخمس ما فرق ، قال : وحدثني أبو الزناد عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ، قالت : قد رأيت [ ص: 334 ] أم محمد بن علي بن أبي طالب وكانت من سبي بني حنيفة فلذلك سمته الحنفية ، وسمي ابنها المذكور محمد بن الحنفية ، قال : وحدثني عبد الله بن نافع عن أبيه ، قال : كانت أم زيد بن عبد الله بن عمر من ذلك السبي انتهى .

أثر آخر للخصم : رواه الواقدي أيضا في الكتاب المذكور ، حدثنا معمر عن الزهري ، فذكر { قصة إسلام أهل حضرموت ، ويسمون أهل كندة وأنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم منهم ثمانية عشر رجلا أحدهم الأشعث بن قيس ، وأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعمل عليهم رجلا منهم ، فاستعمل عليهم زياد بن لبيد البياضي ، وكتب معه كتابا في فرائض الصدقات ، وصار معهم عاملا على حضرموت ، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي أبو بكر أرسل إلى زياد بكتاب يعلمه بذلك ، ويوصيه بالمسلمين ، ويسألهم أن يبايعوه ، فقرأ زياد عليهم الكتاب ، فنكصوا عن البيعة ، وارتدوا ، وممن نكص عن البيعة الأشعث ، إلا أنه لم يرتد ، فصاح زياد بن لبيد بأصحابه المسلمين ، فاجتمعوا إليه ، ووقع بينهم قتال شديد في ذلك اليوم ، قال : وحدثني جرير بن سليم الزرقي عن عثمان بن صفوان عن ابن أبي هند عن أبيه أبي هند ، قال : برز يومئذ منهم رجل فبرزت إليه ، وكان شجاعا ، قال : فتناولنا بالرمحين معظم النهار ، فلم يظفر أحدنا بصاحبه ، ثم صرنا إلى السيفين بقية النهار ، فلم يقدر أحدنا على الآخر ، ونحن فارسان ، فلما أمسوا تفرقوا ، وتوجه زياد إلى بيته ، بعد أن بعث عيونا في طلب غرتهم ، فجاءه واحد منهم ، فأخبره بغرة منهم ، فسار إليهم ليلا في مائة من أصحابه ، فإذا هم هدءوا وناموا ، فأغار عليهم ، فقتلهم ، وذبح ملوكهم وأشرافهم ، وبعث إلى أبي بكر يعلمه بذلك ، فكتب أبو بكر إلى المهاجر بن أبي أمية ، وكان عاملا على صنعاء ، استعمله النبي صلى الله عليه وسلم عليها ، أن يسير إلى زياد بمن حضره من المسلمين ، فلما قدم المهاجر على زياد اشتد [ ص: 335 ] أمرهما ، وحاصرا النجير أياما حصارا شديدا ، فلما جهدهم الحصار ، قال الأشعث بن قيس : والله إن الموت بالسيف لأهون من الموت بالجوع ، فدعوني أنزل إلى هؤلاء ، فآخذ لي ولكم الأمان منهم ، فقالوا له : افعل ، وأرسل الأشعث إلى زياد يسأله الأمان ، وأجابه ، فنزل إليه ، فأراد زياد قتله ، فقال له الأشعث : لا تقتلني ، وابعث لي إلى أبي بكر ، يرى في رأيه ، فإنه يكره قتل مثلي ، وأنا أفتح لك النجير ، فآمنه زياد على نفسه ، وأهله ، وماله ، وفتح له الأشعث النجير ، ودخل زياد إلى النجير ، فأخرج من مقاتلتهم خلقا كثيرا ، فعمد إلى أشرافهم ، وكانوا سبعمائة رجل ، فضرب أعناقهم في صعيد واحد ، وترك جثثهم للسباع ، لم يوار منها شيئا ، وسبى من مقاتليهم ثمانين رجلا ، وأخذ الذرية والنساء ، فعزلهم على حدة ، وبعث زياد بالجميع إلى أبي بكر ، وأرسل معهم الأشعث بن قيس في وثاق من حديد ، فلما دخل الأشعث على أبي بكر قال له أبو بكر : أنت الذي فعلت كذا وكذا ، وفعلت كذا وكذا ؟ يعدد له ذنوبه ، فقال له الأشعث : يا خليفة رسول الله ، دع عنك ما مضى ، واستقبل الأمور إذا أقبلت ، فوالله يا خليفة رسول الله ما كفرت بعد إسلامي ، ولكن شححت بمالي ، فقال له أبو بكر : ألست الذي تقول كذا وكذا ، وتقول كذا وكذا ؟ فقال الأشعث : نعم ، كل ذلك كان ، ولكن يا خليفة رسول الله قد تبت مما صنعت ، ورجعت إلى ما خرجت منه ، فأطلق أسري ، واستبقني لحربك ، وزوجني أختك ، فأطلقه أبو بكر ، وقبل توبته ، وزوجه أخته أم فروة ، بنت أبي قحافة ، قال : وقسم أبو بكر سبي النجير خمسة أخماس ، ففرق الخمس في الناس ، وترك أربعة أخماس ، قال : وقدم جماعة من أهل النجير يطلبون أن يفادوا سبيهم ، وقالوا : والله يا خليفة رسول الله ما رجعنا عن الإسلام ، ولكن شححنا بأموالنا ، وقد رجع من وراءنا إلى ما خرجوا منه ، وبايعوا لك راضين ، فقال : بعد ماذا ؟ بعد أن وطئتكم بالسيف ، قال الواقدي : وحدثني ربيعة بن عثمان عن مسلم بن جندب ، قال : لما كلم الوفد أبا بكر في أن يفادوا أسراهم ، أجابهم إلى ذلك ، وخطب الناس على المنبر : أيها الناس ردوا على هؤلاء القوم أسراهم ، لا يحل لأحد يؤمن بالله أن يغيب أحدا منهم ، وقد جعلنا الفداء على كل رأس منهم أربعمائة درهم ، قال : فجمع أبو بكر رضي الله عنهما تحصل من ذلك ، مع ما استخرجه زياد من حصن النجير من الأموال ، فجعله مغنما }انتهى .

أثر آخر يشهد لمذهبنا : روى الواقدي في " كتاب الردة " أيضا حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده ، فذكر { قصة إسلام أهل دبا ، وأزد عمان ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 336 ] بعث عليهم حذيفة بن اليمان مصدقا ، وكتب معه فرائض الصدقات ، قال : فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم منعوا الصدقة ، وارتدوا ، فدعاهم حذيفة إلى التوبة ، فأبوا ، وأسمعوه شتم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم حذيفة : أسمعوني في أبي وأمي ، ولا تسمعوني في النبي صلى الله عليه وسلم فأبوا إلا ذلك ، فكتب حذيفة إلى أبي بكر يخبره بذلك ، فاغتاظ غيظا شديدا ، وأرسل إليهم عكرمة بن أبي جهل في نحو ألفين من المسلمين ، فقاتلوهم حتى هزمهم ودخلوا مدينة دبا فتحصنوا فيها ، وحاصرهم المسلمون نحو شهر ، فلما جهدهم الحصار ، طلبوا الصلح ، فشرط عليهم حذيفة أن يخرجوا من المدينة عزلا ، من غير سلاح ، ففعلوا ، ودخل المسلمون حصنهم ، فقتل عكرمة من أشرافهم مائة رجل ، وسبى ذراريهم ، وأقام عكرمة بدبا عاملا عليها لأبي بكر ، وقدم حذيفة على أبي بكر بالسبي ، وكانوا سبعمائة نفر ، منهم ثلاثمائة مقاتل ، وأربعمائة من الذرية والنساء ، فيهم أبو المهلب أبو صفرة غلام لم يبلغ الحلم ، فسجنهم أبو بكر في دار رملة بنت الحارث ، واستشار فيهم ، فكان رأي المهاجرين قتلهم ، أو تفديتهم بإغلاء الفداء ، وكان رأي عمر أن لا قتل عليهم ، ولا فداء ، فلم يزالوا محبوسين حتى توفي أبو بكر ، فلما ولي عمر نظر في ذلك ، فقال : لا سبي في الإسلام ، وأرسلهم بغير فداء ، وقال : هم أحرار حيث أدركتموهم ، مختصر ، وقد قال : إن عمر لم يتحقق ردتهم ، يدل على ذلك في القصة أن أبا بكر لما استشار فيهم ، قال له عمر : يا خليفة رسول الله إنهم قوم مؤمنون ، وإنما شحوا بأموالهم ، قال : والقوم يقولون : والله ما رجعنا عن الإسلام ، وإنما شححنا بالمال ، فأبى أبو بكر أن يدعهم بهذا القول ، ولم يزالوا } ، الحديث . .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث