الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولا تجب الزكاة إلا بالحول " .

قال الماوردي : وهذا كما قال .

[ ص: 88 ] الأموال على ثلاثة أضرب : مال نام بنفسه ، ومال مرصد للنماء ، ومال غير نام بنفسه ، فأما النامي بنفسه ، فمثل المواشي والمعادن والزرع والثمار ، وأما المرصد للنماء والمعد له فمثل الدراهم والدنانير وعروض التجارات ، والفرق بين هذين المالين : أن النماء فيما هو نام بنفسه تابع للملك لا للعمل ، والنماء فيما كان مرصدا للنماء تابع للعمل والتقلب لا للملك ، ألا ترى : أنه لو غصب ماشية فنتجت أو نخلا فأثمرت كان النتاج والثمرة لرب الماشية والنخل دون الغاصب ، ولو غصب دراهم أو دنانير فنمت بالتقلب والتجارة كان النماء الزايد للغاصب دون رب الدراهم والدنانير ، وأما الذي ليس بنام في نفسه ولا مرصدا للنماء ، فهو كل مال كان معدا للقنية ، كالعبد المعد للخدمة ، والدابة المعدة للركوب ، والثوب المعد للبس ، فأما ما لا يرصد للنماء ، ولا هو نام في نفسه فلا زكاة فيه إجماعا ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم " ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة " فنص عليها تنبيها على ما كان في معنى حكمها ، وأما المال النامي بنفسه ، فينقسم قسمين : قسم يتكامل نماؤه بوجوده ، وقسم لا يتكامل نماؤه إلا بمضي مدة بعد وجوده ، فأما ما يتكامل نماؤه بوجوده فمثل الزرع والثمرة ، فلا يعتبر فيه الحول إجماعا ، وعليه أداء زكاته بعد حصاد زرعه ودياسه ، وجداد ثمرته وجفافها ، والتزام المؤن فيها ، وما لا يتكامل نماؤه إلا بمضي مدة بعد وجوده ، فمثل المواشي ، والحكم فيها وفيما أرصد للنماء مثل الدراهم والدنانير وعروض التجارات واحد لا زكاة في شيء منها حتى يحول عليه الحول ، وهو قول أكثر الصحابة وكافة التابعين والفقهاء .

وقال عبد الله بن عباس : إذا استفاد مالا بهبة أو بميراث أو بالعطاء لزمته زكاته من غير حول يعتبر .

وقال عبد الله بن مسعود : يزكي العطاء وحده دون غيره ، قالا ؛ لأن نماء ذلك متكامل بوجوده فلم يفتقر إلى حول كالركاز وغيره .

والدلالة عليهما رواية عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا زكاة على مال حتى يحول عليه الحول " .

وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول " .

[ ص: 89 ] ولأن زكاة الأموال وجبت لنمائها فاقتضى أن يكون زمان النماء وهو الحول معتبرا فيها ، ولأن الزكاة وجبت على المسلمين نعمة وتطهيرا ، والجزية على المشركين نقمة وصغارا ، فلما لم تجب الجزية إلا بالحول لم تجب الزكاة إلا بالحول ، وإذا ثبت أن النصاب والحول معتبر في وجوب الزكاة فهل يتعلق وجوب الزكاة بهما أو بشرط ثالث ينضم إليهما ؟ على قولين : أحدهما : قاله في الإملاء : إن الزكاة واجبة بهما وبشرط ثالث ، وهو إمكان الأداء ، فيكون وجوبها بثلاثة شرائط : بالنصاب والحول وإمكان الأداء .

والقول الثاني :

قاله في " الأم " : إن الزكاة واجبة بشرطين لا غير : النصاب والحول ، فأما إمكان الأداء فمن شرائط الضمان ، وسنفرع على هذين القولين بما يوضح عنهما إن شاء الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث