الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وإذا عجل شاتين من مائتي شاة فحال الحول وقد زادت شاة أخذ منها شاة ثالثة فيجزي عنه ما أعطى منه ، ولا يسقط تقديمه الشاتين الحق عليه في الشاة الثالثة ؛ لأن الحق إنما يجب عليه بعد الحول ، كما لو أخذ منها شاتين فحال الحول وليس فيها إلا شاة رد عليه شاة " .

قال الماوردي : وهذا كما قال :

إذا عجل بزكاة ماله قبل الحول فقد ملكها المساكين بالأخذ ويستقر ملكهم عليها بالوجوب ، لكنها في حكم ملكه قبل الحول حتى يستقر عليه الوجوب ، فإذا حال الحول ضم ما عجل إلى ما بيده وزكاهما معا ، فلو كان معه أربعون شاة عجل منها شاة ثم حال الحول عليه تسعة وثلاثين والشاة المعجلة لزمته الزكاة ، ولو كان معه مائتا شاة فعجل زكاتها شاتين ظنا منه بأنهما قدر زكاته فلم يحل الحول حتى نتجت شاة وصارت مع التعجيل مائتي شاة وشاة ، كان عليه إخراج شاة ثانية اعتبارا بقدر ماله عند الحول ، ولو كان معه مائتا شاة وشاة فعجل زكاتها ثلاث شياه فلم يحل الحول حتى تلف من غنمه شاة ، وبقي معه مع ما عجله مائتا شاة ، كان له أن يسترجع من التعجيل شاة ، اعتبارا بقدر ماله عند الحول .

وقال أبو حنيفة : ما عجله كالتالف لا يجب ضمه إلى ما في يده ولا يجوز إذا كان معه أربعون شاة أن يعجل منها شاة ؛ لأن الباقي يقل عن النصاب ، فإن عجل منها شاة كانت كالتالفة ولا زكاة عليه فيما بقي ؛ لنقصه عن النصاب ، فإن كان معه إحدى وأربعون شاة ، جاز أن يعجل منها شاة ؛ لأن الباقي نصاب ، وكذا نقول في نصب الزكوات كلها ، احتجاجا بأن التعجيل خارج عن ملكه داخل في ملك آخذه ، لجواز تصرفه فيه وانتفاعه به ، فلم يجز أن يلزمه زكاة مال هو في ملك غيره ، ولا أن يضم إلى جملة ماله .

والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه : " أن العباس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له في تعجيل صدقته ، فرخص له ولم يسأله هل الباقي بعد التعجيل نصاب ، أو دون النصاب ؟ فدل على تساوي الحكم فيهما ، ولأن التعجيل إما أن يكون كالأموال المتلفة فلا يلزمه زكاتها ، أو الموجودة في ملكه فيلزمه زكاتها ، فلما أجزأه التعجيل عن زكاته ثبت أنها كالموجودة في ملكه ؛ لأن ما أتلفه غير مجز في الزكاة ، ولأن الزكاة إنما تعجل للمساكين رفقا بهم ونظرا لهم ، وفي إخراج القدر المعجل من الزكاة إضرار بهم ؛ لأنه إذا عجل شاة عن مائة وعشرين [ ص: 177 ] ثم نتجت شاة ، فقد أسقط عليهم على قياس قوله شاة ؛ لأنه لو لم يعجل لزمته شاتان ، وإذا عجل لزمته شاة ، فيصير إضراره بالنقص أكثر من نفعه بالتعجيل ، وذلك خارج عن الموضوع .

فأما الجواب عما احتج به من خروج ذلك عن ملكه فهو أن يقال : التعجيل وإن كان خارجا عن ملكه فهو في حكم ملكه ، لإجزائه عن فرضه ، وقد يلتزم زكاة ما في ملكه حكما وإن لم يكن في ملكه قبضا كالدين الثابت له في الذمم المالية ، هو في ملكه من طريق الحكم ، وزكاته لازمة له كذلك فيما عجل . والله أعلم وهو الموفق للصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث