الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل لا يشترط أن يكون الملتزم من يقع العمل في ملكه

جزء التالي صفحة
السابق

فصل

لا يشترط أن يكون الملتزم من يقع العمل في ملكه . فلو قال غير المالك : من رد عبد فلان فله كذا ، استحقه الراد على القائل . ولو قال فضولي : قال فلان من رد عبدي فله كذا ، لم يستحق الراد على الفضولي شيئا ، لأنه لم يلتزم . وأما [ ص: 269 ] المالك ، فإن كذب الفضولي عليه ، فلا شيء عليه . وإن صدق ، قال البغوي : يستحق عليه . وكأن هذا فيما إذا كان المخبر ممن يعتمد قوله ، وإلا ، فهو كما لو رد غير عالم بإذنه .

قلت : لو شهد الفضولي على المالك بإذنه ، قال : فينبغي أن لا تقبل شهادته ، لأنه متهم في ترويج قوله . وأما قول صاحب البيان : مقتضى المذهب قبولها ، فلا يوافق عليه . والله أعلم .

فرع

سواء في صيغة المالك قوله : من رد عبدي ، وقوله : إن رده إنسان ، أو إن رددته ، أو رده ولك كذا . الركن الثاني : المتعاملان . فأما ملتزم الجعل ، فيشترط أن يكون مطلق التصرف . وأما العامل ، فيجوز أن يكون شخصا معينا ، وجماعة ، ويجوز أن لا يكون معينا ولا معينين ، وقد سبق بيانه في الركن الأول . ثم إذا لم يكن العامل معينا ، فلا يتصور قبول العقد وإن كان لم يشترط قبوله ، كذا قاله الأصحاب ، وهو المذهب . وقال الإمام : لا يمتنع أن يكون كالوكيل في القبول ، ويشترط عند التعيين أهلية العمل في العامل .

الركن الثالث : العمل ، فما لا تجوز الإجارة عليه من الأعمال لكونه مجهولا ، تجوز الجعالة عليه للحاجة ، وما جازت الإجارة عليه ، جازت الجعالة أيضا على الصحيح . وقيل : لا ، للاستغناء بالإجارة . ولو قال : من رد مالي فله كذا ، فرده من كان في يده ، نظر ، إن كان في رده كلفة كالآبق ، استحق الجعل . وإن لم يكن ، كالدراهم [ ص: 270 ] والدنانير ، فلا ، لأن ما لا كلفة فيه لا يقابل بالعوض . ولو قال : من دلني على مالي فله كذا ، فدله من المال في يده ، لم يستحق شيئا ، لأن ذلك واجب عليه شرعا ، فلا يأخذ عليه عوضا . وإن ‌‌‌كان في يد غيره ، فدله عليه ، استحق ، لأن الغالب أنه يلحقه مشقة بالبحث عنه . وما يعتبر في العمل لجواز الإجارة ، يعتبر في الجعالة ، سوى كونه معلوما .

قلت : فمن ذلك أنه لو قال : من أخبرني بكذا ، فأخبره به إنسان ، فلا شيء له ، لأنه لا يحتاج فيه إلى عمل ، كذا صرح به البغوي وغيره . والله أعلم .

الركن الرابع : الجعل المشروط ، وشرطه أن يكون معلوما كالأجرة ، لعدم الضرورة إلى جهالته . فإن شرط مجهولا ، بأن قال : من رد آبقي فله ثوب أو دابة ، أو إن رددته فعلي أن أرضيك أو أعطيك شيئا ، فسد العقد . وإذا رد ، استحق أجرة المثل ، وكذا لو جعل الجعل خمرا أو خنزيرا . ولو جعل الجعل ثوبا مغصوبا ، قال الإمام : يحتمل أن يكون فيه قولان كما لو جعل المغصوب صداقا ، فيرجع في قول بأجرة المثل ، وفي قول بقيمة المسمى . قال : ويحتمل القطع بأجرة المثل . ولو قال : من رد عبدي فله سلبه أو ثيابه ، قال المتولي : إن كانت معلومة ، أو وصفها بما يفيد العلم ، استحق الراد المشروط ، وإلا ، فأجرة المثل . ولو قال : فله نصفه أو ربعه ، فقد صححه المتولي ، ومنعه أبو الفرج السرخسي .

فصل

لو قال : من رد لي عبدي من بلد كذا فله دينار ، بني على الخلاف في صحة الجعالة في العمل المعلوم ، فإن صححناها ، فمن رده من نصف الطريق ، استحق نصف [ ص: 271 ] الجعل ، ومن رده من ثلثه ، استحق الثلث . وإن رده من مكان أبعد ، لم يستحق زيادة . ولو قال : من رد لي عبدين فله كذا ، فرد أحدهما ، استحق نصف الجعل . ولو قال : إن رددتما عبدي فلكما كذا ، فرده أحدهما ، استحق النصف ، لأنه لم يلتزم له أكثر من ذلك . وإن قال : إن رددتما لي عبدين ، فرد أحدهما أحدهما ، استحق الربع .

فصل

قال : من رد عبدي فله دينار ، فاشترك جماعة ، فالدينار مشترك بينهم . ولو قال لجماعة : إن رددتموه ، فردوه ، فكذلك ، ويقسم بينهم على الرءوس . ولو قال لزيد : إن رددته فلك دينار ، فرده هو وغيره ، فلا شيء لذلك الغير ، لأنه لم يلتزم له . وأما زيد ، فإن قصد الغير معاونته إما بعوض وإما مجانا ، فله تمام الجعل ، ولا شيء للغير على زيد ، إلا أن يلتزم له أجرة ويستعين به . وإن قال : عملت للمالك ، لم يكن لزيد جميع الدينار ، بل له نصفه على الصحيح الذي قاله الأصحاب . ورأى الإمام التوزيع على العمل أرجح . ولو شاركه اثنان في الرد ، فإن قصدا إعانة زيد ، فله تمام الجعل ، وإن قصدا العمل للمالك ، فله ثلثه . وإن قصد أحدهما إعانته ، والآخر العمل للمالك ، فله الثلثان .

فإن قيل : هل للعامل المعين أن يوكل بالرد غيره كما يستعين به ؟ وهل إذا كان النداء عاما يجوز أن يوكل من سمعه غيره في الرد ؟ قلنا : يشبه أن يكون الأول كتوكيل الوكيل ، والثاني كالتوكيل بالاحتطاب والاستقاء .

[ ص: 272 ] قلت : ولو قال : أول من يرد آبقي فله دينار ، فرده اثنان ، استحقا الدينار ، وستأتي هذه المسألة إن شاء الله تعالى في آخر الطرف الثالث من الباب السادس في تعليق الطلاق . - والله أعلم .

فرع

قال لرجل : إن رددته فلك كذا ، ولآخر : إن رددته فلك كذا ، ولثالث : إن رددته فلك كذا ، فاشتركوا في الرد ، قال الشافعي - رضي الله عنه - : لكل واحد ثلث ما جعل له ، اتفقت الأجعال أم اختلفت . قال المسعودي : هذا إذا عمل كل منهم لنفسه . أما لو قال أحدهم : أعنت صاحبي عملت لهما ، فلا شيء له ، ولكل منهما نصف ما شرط له . ولو قال اثنان : عملنا لصاحبنا ، فلا شيء لهما ، وله جميع المشروط . وقول الشافعي - رضي الله عنه - : لكل واحد الثلث ، تصريح بالتوزيع على الرءوس ، فلو رده اثنان منهم ، فلكل منهما نصف المشروط [ له ] ، وإن أعان الثلاثة رابع في الرد ، فلا شيء له . ثم إن قال : قصدت العمل للمالك ، فلكل واحد من الثلاثة ربع المشروط له . وإن قال : أعنتهم جميعا ، فلكل واحد منهم ثلث المشروط [ له ] كما لو لم يكن معهم غيرهم . وإن قال : أعنت فلانا ، فله نصف المشروط له ، ولكل واحد من الآخرين ربع المشروط له .

وعلى هذا القياس لو قال : أعنت فلانا وفلانا ، فلكل واحد منهما ربع المشروط له وثمنه ، وللثالث ربع المشروط له . ولو قال لواحد : إن رددته فلك دينار ، وقال لآخر : إن رددته فلك ثوب ، فرداه ، فللأول نصف دينار ، وللثاني نصف أجرة المثل .

[ ص: 273 ] قلت : ولو قال المعين للثلاثة مثلا في الصورة السابقة : أردت أن آخذ الجعل من المالك ، لم يستحق شيئا ، وكان لكل من الثلاثة ربع المشروط له . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث