الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أن العرب لم تضع جناح الذل لمعنى ثم نقلته من موضعه إلى غيره

[ ص: 304 ] الوجه الرابع والعشرون : أن العرب لم تضع جناح الذل لمعنى ثم نقلته من موضعه إلى غيره ، ومن زعم ذلك فهو غالط ، فليس لجناح الذل مفهومان وهو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر ، كما يمكن ذلك في لفظ أسد وبحر وشمس ونحوها ، وإنما ينشأ الغلط في ظن الظان أنهم وضعوا لفظ جناح مطلقا هكذا غير مقيد ، ثم خصصوه في أول وضعه بذوات الريش ثم نقلوه إلى الملك والذل فهذه ثلاث مقدمات لا يمكن لبشر على وجه الأرض إثباتها ، ولا سبيل إلى العلم بها إلا بوحي من الله تعالى .

الوجه الخامس والعشرون : قولكم : نفرق بين الحقيقة والمجاز يتوقف المجاز على المسمى الآخر بخلاف الحقيقة ؟ ومعنى ذلك أن اللفظ إذا كان إطلاقه على أحد مدلوليه متوقفا على استعماله في المدلول الآخر كان بالنسبة إلى مدلوله الذي يتوقف على المدلول الآخر مجازا .

وهذا مثل قوله تعالى : ( ومكروا ومكر الله ) فإن إطلاق المكر على المعنى المتصور من الرب سبحانه يتوقف على استعماله في المعنى المتصور من الخلق ، فهو حينئذ مجازي بالنسبة إليه ، حقيقة بالنسبة إليهم ، وهذا أيضا من النمط الأول في الفساد ، أما ( أولا ) فإن دعواكم أن إطلاقه على أحد مدلوليه متوقف على استعماله في الآخر دعوى باطلة مخالفة لصريح الاستعمال ، ومنشأ الغلط فيها أنكم نظرتم إلى قوله تعالى : ( ومكروا ومكر الله ) وقوله ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا ) وذهلتم عن قوله تعالى : ( أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) فأين المسمى الآخر ، وكذلك قوله تعالى : ( وهو شديد المحال ) فسر بالكيد والمكر ، وكذلك قوله : ( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين ) .

فإن قلتم : يتعين تقدير المسمى الآخر ليكون إطلاق المكر عليه سبحانه من باب المقابلة ، كقوله تعالى : ( إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا ) وقوله : ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ) وقوله : ( نسوا الله فنسيهم ) فهذا كله إنما يحسن على وجه المقابلة ، ولا يحسن أن يضاف إلى الله تعالى ابتداء فيقال : إنه [ ص: 305 ] يمكر ويكيد ، ويخادع وينسى ، ولو كان حقيقة لصلح إطلاقه مفردا عن مقابلة ، كما يصح أن يقال : يسمع يرى ، ويعلم ويقدر .

فالجواب : أن هذا الذي ذكرتموه مبني على أمرين : أحدهما معنوي ، والآخر لفظي ، فأما المعنوي فهو أن مسمى هذه الألفاظ ومعانيها مذمومة فلا يجوز اتصاف الرب تعالى بها ، وأما اللفظي فإنه لا تطلق عليه إلا على سبيل المقابلة فتكون مجازا ، ونحن نتكلم معكم في الأمرين جميعا ، فأما الأمر المعنوي فيقال : لا ريب أن هذه المعاني يذم بها كثيرا ، فيقال : فلان صاحب مكر وخداع وكيد واستهزاء ، ولا تكاد تطلق على سبيل المدح بخلاف أضدادها ، وهذا هو الذي غر من جعلها مجازا في حق من يتعالى ويتقدس عن كل عيب وذم .

والصواب أن معانيها تنقسم إلى محمود ومذموم ، فالمذموم منها يرجع إلى الظلم والكذب ، فما يذم منها إنما يذم لكونه متضمنا للكذب أو الظلم أو لهما جميعا ، وهذا هو الذي ذمه الله تعالى لأهله كما في قوله تعالى : ( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم ) فإذا ذكر هذا عقيب قوله : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) فكان هذا القول منهم كذبا وظلما في حق التوحيد والإيمان بالرسول واتباعه ، وكذلك قوله : ( أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض ) الآية .

وقوله : ( ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ) وقوله : ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم ) فلما كان غالب استعمال هذه الألفاظ في المعاني المذمومة ظن المعطلون أن ذلك هو حقيقتها ، فإذا أطلقت لغير الذم كان مجازا ، والحق خلاف هذا الظن ، وأنها منقسمة إلى محمود ومذموم ، فما كان منها متضمنا للكذب والظلم فهو مذموم ؟ وما كان منها بحق وعدل ومجازاة على القبيح فهو حسن محمود ، فإن المخادع إذا خادع بباطل وظلم ، حسن من المجازي له أن يخدعه بحق وعدل ، وذلك إذا مكر واستهزأ ظالما متعديا كان المكر به والاستهزاء عدلا حسنا ، كما فعله الصحابة بكعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق وأبي رافع وغيرهم ممن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فخادعوه حتى كفوا شره وأذاه بالقتل ، وكان هذا الخداع والمكر نصرة لله ورسوله .

[ ص: 306 ] وكذلك ما خدع به نعيم بن مسعود المشركين عام الخندق حتى انصرفوا ، وكذلك خداع الحجاج بن علاط لامرأته وأهل مكة حتى أخذ ماله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " الحرب خدعة " وجزاء المسيء بمثل إساءته في جميع الملل ، مستحسن في جميع العقول ، ولهذا كاد سبحانه ليوسف حين أظهر لإخوته ما أبطن خلافه ، جزاء لهم على كيدهم له مع أبيه ، حيث أظهروا له أمرا وأبطنوا خلافه ، فكان هذا من أعدل الكيد ، فإن إخوته فعلوا به ذلك حتى فرقوا بينه وبين أبيه ، وادعوا أن الذئب أكله ، ففرق بينهم وبين أخيهم بإظهار أنه سرق الصواع ولم يكن ظالما لهم بذلك الكيد ، حيث كان مقابلة ومجازاة ، ولم يكن أيضا ظالما لأخيه الذي لم يكده ، بل كان إحسانا إليه وإكراما له في الباطن ، وإن كانت طريق ذلك مستهجنة ، لكن لما ظهر بالآخرة براءته ونزاهته مما قذفه به ، وكان ذلك سببا في اتصاله بيوسف واختصاصه به ، لم يكن في ذلك ضرر عليه .

يبقى أن يقال : وقد تضمن هذا الكيد إيذاء أبيه وتعريضه لألم الحزن على حزنه السابق ، فأي مصلحة كانتليعقوب في ذلك ؟ فيقال : هذا من امتحان الله تعالى له ، ويوسف إنما فعل ذلك بالوحي ، والله تعالى لما أراد كرامته كمل له مرتبة المحنة والبلوى ليصبر فينال الدرجة التي لا يصل إليها إلا على حسب الابتلاء ، ولو لم يكن في ذلك إلا تكميل فرحه وسروره باجتماع شمله بحبيبه بعد الفراق ، وهذا من كمال إحسان الرب تعالى أن يذيق عبده مرارة الكسر قبل حلاوة الجبر ، ويعرفه قدر نعمته عليه بأن يبتليه بضدها ، كما أن سبحانه وتعالى لما أراد أن يكمل لآدم نعيم الجنة أذاقه مرارة خروجه منها ، ومقاساة هذه الدار الممزوج رخاؤها بشدتها ، فما كسر عبده المؤمن إلا ليجبره ، ولا منعه إلا ليعطيه ، ولا ابتلاه إلا ليعافيه ، ولا أماته إلا ليحييه ، ولا نغص عليه الدنيا إلا ليرغبه في الآخرة ، ولا ابتلاه بجفاء الناس إلا ليرده إليه .

فعلم أنه لا يجوز ذم هذه الأفعال على الإطلاق ، كما لا تمدح على الإطلاق ، والمكر والكيد والخداع لا يذم من جهة العلم ولا من جهة القدرة ، فإن العلم والقدرة من صفات الكمال ، وإنما يذم ذلك من جهة سوء القصد وفساد الإرادة ، وهو أن الماكر المخادع يجور ويظلم بفعل ما ليس له فعله أو ترك ما يجب عليه فعله .

إذ عرف ذلك فنقول : إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقا ، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى ، ومن ظن من الجهال المصنفين [ ص: 307 ] في شرح الأسماء الحسنى أن من أسمائه الماكر المخادع المستهزئ الكائد فقد فاه بأمر عظيم تقشعر منه الجلود ، وتكاد الأسماع تصم عند سماعه ، وغر هذا الجاهل أنه سبحانه وتعالى أطلق على نفسه هذه الأفعال فاشتق له منها أسماء ، وأسماؤه كلها حسنى فأدخلها في الأسماء الحسنى ، وأدخلها وقرنها بالرحيم الودود الحكيم الكريم ، وهذا جهل عظيم ، فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقا ، بل تمدح في موضع وتذم في موضع ، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله مطلقا ، فلا يقال : إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد .

فكذلك بطريق الأولى لا يشتق له منها أسماء يسمى بها ، بل إذا كان لم يأت في أسمائه الحسنى المريد ولا المتكلم ولا الفاعل ولا الصانع ، لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم ، وإنما يوصف بالأنواع المحمودة منها ، كالحليم والحكيم ، والعزيز والفعال لما يريد ، فكيف يكون منها الماكر المخادع المستهزئ ، ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الحسنى الداعي والآتي ، والجائي والذاهب والقادم والرائد ، والناسي والقاسم ، والساخط والغضبان واللاعن ، إلى أضعاف ذلك من الأسماء التي أطلق على نفسه أفعالها في القرآن ، وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل ، والمقصود أن الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق ، وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق ، فكيف من الخالق سبحانه ، وهذا إذا نزلنا ذلك على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين ، وأنه سبحانه منزه عما يقدر عليه مما لا يليق بكماله ، ولكنه لا يفعله لقبحه وغناه عنه ، وإن نزلنا ذلك على نفي التحسين والتقبيح عقلا ، وأنه يجوز عليه كل ممكن ولا يكون قبيحا ، فلا يكون الاستهزاء والمكر والخداع منه قبيحا البتة ، فلا يمتنع وصفه به ابتداء لا على سبيل المقابلة على هذا التقرير ، وعلى التقديرين فإطلاق ذلك عليه سبحانه على حقيقته دون مجازه ، إذ الموجب للمجاز منتف على التقديرين ، فتأمله فإنه قاطع ، فهذا ما يتعلق بالأمر المعنوي .

أما الأمر اللفظي فإطلاق هذه الألفاظ عليه سبحانه لا يتوقف على إطلاقها على المخلوق ليعلم أنها مجاز لتوقفها على المسمى الآخر كما قدمنا من قوله : ( وهو شديد المحال ) وقوله : ( أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) فظهر أن هذا الفرق الذي اعتبروه فاسد لفظا ومعنى ، يوضحه :

[ ص: 308 ] الوجه السادس والعشرون : أن هاهنا ألفاظا تطلق على الخالق والمخلوق ، أفعالها ومصادرها وأسماء الفاعلين والصفات المشتقة منها ، فإن كانت حقائقها ما يفهم من صفات المخلوقين وخصائصهم ، وذلك منتف في حق الله تعالى قطعا لزم أن تكون مجازا في حقه لا حقيقة ، فلا يوصف بشيء من صفات الكمال حقيقة وتكون أسماؤه الحسنى كلها مجازات ، فتكون حقيقة للمخلوق مجازا للخالق ، وهذا من أبطل الأقوال وأعظمها تعطيلا ، وقد التزمه معطلو الجهمية وعمومهم ، فلا يكون رب العالمين موجودا حقيقة ، ولا حيا حقيقة ، ولا مريدا حقيقة ، ولا قادرا حقيقة ، ولا ملكا حقيقة ، ولا ربا حقيقة ، وكفى أصحاب هذه المقالة بها كفرا ، فهذا القول لازم لكل من ادعى المجاز في شيء من أسماء الرب وأفعاله لزوما لا يحصى له عنه ، فإنه إنما فر إلى المجاز لظنه أن حقائق ذلك مما يختص بالمخلوقين ولا فرق بين صفة وصفة ، وفعل وفعل ، فإما أن يقول الجميع مجاز أو الجميع حقيقة .

وأما التفريق بين البعض وجعله حقيقة وبين البعض وجعله مجازا فتحكم محض باطل ، فإن زعم هذا المتحكم أن ما جعله مجازا ما يفهم من خصائص المخلوقين وما جعله حقيقة ليس مفهومه مما يختص بالمخلوقين طولب بالتفريق بين النفي والإثبات وقيل له : بأي طريق اهتديت إلى هذا التفريق ؟ بالشرع أم العقل أم باللغة ؟ فأي شرع أو عقل أو لغة أو فطرة على أن الاستواء والوجه واليدين والفرح والضحك والغضب والنزول حقيقة فيما يفهم من خصائص المخلوقين ، والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة حقيقة فيما لا يختص به المخلوق .

فإن قال : أنا لا أفهم من الوجه واليدين والقدم إلا خصائص المخلوق ، وأفهم من السمع والبصر والعلم والقدرة ما لا يختص به المخلوق ، قيل له : فبم تنفصل عن شريكك في التعطيل إذا ادعى في السمع والبصر والعلم مثل ما ادعيته أنت في الاستواء والوجه واليدين ؟ ثم يقال لك : هل تفهم مما جعلته حقيقة خصائص المخلوق تارة وخصائص الخالق تارة ، أو القدر المشترك ، أو لا تفهم منها إلا خصائص الخالق .

فإن قال بالأول كان مكابرا جاهلا ، وإن قال بالثاني قيل له : فهلا جعلت الباب كله بابا واحدا وفهمت ما جعلته مجازا خصائص المخلوق تارة والقدر المشترك تارة ، فظهر للعقل أنكم متناقضون ، يوضحه :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث