الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

3095 باب صفة إبليس وجنوده

التالي السابق


أي هذا باب في بيان صفة إبليس ، وفي بيان جنوده ، والكلام في صفته وحقيقة أمره على أنواع :

الأول : في اسمه ، هل هو مشتق أو لا ؟ فقال جماعة : هو اسم أعجمي ، ولهذا منع من الصرف للعلمية والعجمة ، وقال ابن الأنباري : لو كان عربيا لصرف كإكليل . وقال الطبري : إنما لم يصرف وإن كان عربيا لقلة نظيره في كلام العرب ، فشبهوه بالعجمي ، وهذا فيه نظر ; لأن كون قلة نظيره في كلام العرب ليس علة من العلل المانعة الاسم من الصرف ، وقال قوم : هو اسم عربي مشتق من أبلس إذا يئس .

وقال الجوهري : أبلس من رحمة الله : إذا يئس ، ومنه سمي إبليس ، وكان اسمه عزازيل ، قيل : من ادعى أنه عربي فقد غلط ، ووجهه ما ذكرناه ، ولكن روى الطبري عن ابن أبي الدنيا ، عن ابن عباس قال : كان اسم إبليس حيث كان عند الملائكة عزازيل ، ثم أبلس بعد ، وهذا يؤيد قول من ادعى أنه عربي ، وعن ابن عباس أن اسمه الحارث .

وأما كنيته فقيل : كانت كنيته أبا مرة ، وقيل : أبو العمر ، وقيل : أبو كردوس .

النوع الثاني في بيان أصل خلقه ، روى الطبري من حديث حجاج عن ابن جريج ، عن صالح مولى التوأمة ، وشريك عن ابن عباس قال : إن من الملائكة قبيلة من الجن ، وكان إبليس منها ، وعن ابن عباس : سمي قبيلة الجن ; لأنهم خزان الجنة ، وعن ابن عباس قال : إبليس حي من أحياء الملائكة ، يقال لهم الجن ، خلقوا من نار السموم ، وخلقت الملائكة كلهم من النور غير هذا الحي ، وعن الحسن البصري : إنه من الشياطين ، ولم يكن من الملائكة قط ، واحتج بقوله تعالى : إلا إبليس كان من الجن وقال مقاتل : لا من الملائكة ولا من الجن ، بل هو خلق منفردا من النار ، كما خلق آدم عليه الصلاة والسلام من الطين ، وقال شهر بن حوشب : كان إبليس من الجن الذين يعملون في الأرض الفساد فأسره بعض الملائكة ، فذهب به إلى السماء ، ويقال : كان نوع من الجن سكان الأرض ، وكان فيهم الملك والنبوة والدين والشريعة ، فاستمروا على ذلك مدة ، ثم طغوا وأفسدوا وجحدوا الربوبية ، وسفكوا الدماء ، فأرسل الله إليهم جندا من السماء ، فقاتلوا معهم قتالا شديدا ، فطردهم إلى جزائر البحر ، وأسروا منهم خلقا كثيرا ، وكان فيمن أسر عزازيل ، وهو إذ ذاك صبي ، ونشأ مع الملائكة ، وتكلم بكلامهم ، وتعلم من علمهم ، وأخذ يسوسهم ، وطالت أيامه حتى صار رئيسا فيهم ، حتى أراد الله تعالى خلق آدم ، واتفق له ما اتفق .

وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : إبليس أصل الجان والشياطين ، وهو أبو الكل ، وروى مجاهد عنه أنه قال : الجان أبو الجن كلهم ، كما أن آدم أبو البشر .

النوع الثالث في حده وصفته : أما حده فما ذكره الماوردي في تفسيره هو شخص روحاني ، خلق من نار السموم ، وهو أبو الشياطين ، وقد ركبت فيهم الشهوات ، مشتق من الإبلاس ، وهو اليأس من الخير .

وأما صفته فما قاله الطبري كان الله قد حسن خلقه وشرفه وكرمه وملكه على سماء الدنيا والأرض ، وجعله مع ذلك من خزائن الجنة ، فاستكبر على الله تعالى ، وادعى الربوبية ودعا من كان تحت يده إلى طاعته وعبادته ، فمسخه الله شيطانا رجيما ، وشوه خلقه وسلبه ما كان خوله ولعنه [ ص: 168 ] وطرده عن سماواته في العاجل ، ثم جعل مسكنه ومسكن شيعته وأتباعه في الآخرة نار جهنم انتهى .

وكان يقال له طاوس الملائكة لحسنه ، ثم مسخه الله تعالى ، وقال عبد الملك بن أحمد بإسناده عن ابن عباس قال : كان إبليس يأتي يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام طمعا أن يفتنه ، وعرف ذلك يحيى منه ، وكان يأتيه في صور شتى ، فقال له : أحب أن تأتيني في صورتك التي أنت عليها ، فأتاه فيها ، فإذا هو مشوه الخلق ، كريه المنظر ، جسده جسد خنزير ، ووجهه وجه قرد ، وعيناه مشقوقتان طولا ، وأسنانه كلها عظم واحد ، وليس له لحية ، ويداه في منكبيه ، وله يدان آخران في جانبيه ، وأصابعه خلقت واحدة وعليه لباس المجوس واليهود والنصارى ، وفي وسطه منطقة من جلود السباع فيها كيزان معلقة ، وعليه جلاجل ، وفي يده جرس عظيم وعلى رأسه بيضة من حديدة معوجة كالخطاف ، فقال يحيى - صلى الله عليه وسلم - : ويحك ، ما الذي شوه خلقتك ، فقال : كنت طاوس الملائكة ، فعصيت الله فمسخني في أخس صورة ، وهي ما ترى ، قال : فما هذه الكيزان ، قال : شهوات بني آدم ، قال : فما هذه الجرس ؟ قال : صوت المعازف والنوح ، قال : فما هذه الخطاطيف ؟ قال : أخطف بها عقولهم ، قال : فأين تسكن ؟ قال : في صدورهم ، وأجري في عروقهم ، قال : فما الذي يعصمهم منك ؟ قال : بغض الدنيا وحب الآخرة .

النوع الرابع في أولاده وجنوده ، وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال : بلغنا أن لإبليس أولادا كثيرين ، واعتماده على خمسة منهم شبر والأعور ومسوط وداسم وزلنبور ، وقال مقاتل لإبليس : ألف ولد ينكح نفسه ويلد ويبيض كل يوم ما أراد ، ومن أولاده المذهب وخنزب وهفاف ومرة والولهان والمتقاضي ، وجعل كل واحد منهم على أمر ذكرته في تاريخي الكبير ، ومن ذريته الأقنص وهامة بن الأقنص ويلزون ، وهو الموكل بالأسواق ، وأمه طرطية ، ويقال بل هي حاضنتهم ذكره النقاش ، قالوا : باضت ثلاثين بيضة عشرة بالشرق وعشرة بالمغرب وعشرة في وسط الأرض وأنه خرج من كل بيض جنس من الشياطين كالعفاريت والغيلان والحيات وأسماؤهم مختلفة كلهم عدو لبني آدم أعاذنا الله من شرهم ، وله جنود يرسلهم إلى إضلال بني آدم ، وقد روى ابن حبان والحاكم والطبراني من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا قال : إذا أصبح إبليس يبعث جنوده فيقول : من أضل مسلما ألبسته التاج ، الحديث . وروى مسلم من حديث جابر ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : عرش إبليس على البحر ، فيبعث سراياه فيفتنون الناس ، فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث