الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الأخذ بأقل ما قيل أثبته الشافعي والقاضي . قال القاضي عبد الوهاب : وحكى بعض الأصوليين إجماع أهل النظر عليه . وحقيقته - كما قال ابن السمعاني - : أن يختلف المختلفون في مقدر بالاجتهاد على أقاويل ، فيؤخذ بأقلها عند إعواز الحكم ، أي إذا لم يدل على الزيادة دليل . وقال القفال الشاشي : هو أن يرد الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم مبينا لمجمل ويحتاج إلى تحديده ، فيصار إلى أقل ما يؤخذ ، كما قاله الشافعي في أقل الجزية بأنه دينار ، لأن الدليل قام أنه لا بد من توقيت ، فصار إلى أقل ما حكى [ ص: 27 ] عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ من الجزية . ( قال ) : وهذا أصل في التوقيت قد صار إليه الشافعي في مسائل كثيرة ، كتحديد مسافة القصر بمرحلتين ، وما لا ينجس من الماء بالملاقاة بقلتين ، وأن دية اليهودي ثلث دية المسلم .

وقال ابن القطان في كتابه : هو أن يختلف الصحابة في تقدير ، فيذهب بعضهم إلى مائة مثلا ، وبعضهم إلى خمسين . فإن كانت دلالة تعضد أحد القولين صير إليها ، وإن لم تكن دلالة فقد اختلف فيه أصحابنا : فمنهم من قال : نأخذ بأقل ما قيل من حيث كان أقل ، ويقول : إن هذا مذهب الشافعي ، لأنه قال : إن دية اليهودي الثلث ، وحكى اختلاف الصحابة فيه ، وأن بعضهم قال بالنصف ، وبعضهم بالمساواة ، وبعضهم بالثلث ، فكان هذا أقلها . ومثله ما ذهب إليه في الدية أنها أخماس ، وروي أنها أرباع ، فكانت رواية الأخماس أولى ، لأنها أقل ما روي ، فنصير إليه . ومنهم من احتج على القول بأقل ما قيل من كلام الشافعي فيما لو سرق رجل متاعا لرجل ، فشهد شاهد بألف دينار ، وآخر بألف وخمسمائة ، أنه لا يحكم إلا بما اتفقا عليه . ومنهم من قال : هذا قول حسن إذا كان عليه دلالة ، فإن لم يكن معه دلالة فلا معنى له ، لأنه ليس لأحد أن يقول بغير حجة إلا وللآخر أن يقول بما هو أقل منه أو أكثر بغير حجة ، وذلك أن القائلين أجمعوا على هذا المقدار ، واختلفوا فيما سواه فأخذ بما أجمعوا عليه وترك ما اختلفوا فيه . يلزمه أن يقف في الزيادة ولا يقطع على أنه لا شيء فيه ، لجواز أن يكون فيه دلالة . وأما ما قالوه في دية اليهودي ، فإن الشافعي - رحمه الله تعالى - سلك فيه غير هذا الطريق ، وهو أنه قال : قد دل على أن لا مساواة بقوله : { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } فإذا بطلت المساواة فليس للناس إلا قولان ، فإذا بطل [ ص: 28 ] أحدهما صح الآخر . وأما جعله الدية أخماسا فبدليل ، [ لا ] لأنه أقل ما قيل . وأما مسألة الشهادة فإنما حكم فيها بالأقل ، لأنه ثبت ذلك بشاهدين ، وانفراد الآخر ليس بحجة ، وهذا لا خلاف فيه .

( قال ) : وقد منع قوم من أهل النظر وقالوا : إن أصلكم هذا ينتقض بالجمعة ، فإن الناس اختلفوا هل تنعقد بأربعين أو باثنين أو بثلاثة ، فوجب أن يؤخذ بأقل ما قيل . فإن قلتم : الأصل هو الظهر ولا ينتقل عنه إلا بدليل ، قيل لكم : وكذلك الأصل شغل ذمته بالجناية فلا تبرأ إلا بدليل . قالوا : وكذلك الغسل من ولوغ الكلب يجب أن نأخذ بأقل ما قيل . ثم أجاب ابن القطان : بأن الكلام في هذه المسألة ليس في الحادثة التي قام الدليل فيها ، وإنما كان هنا في الحادثة إذا وقعت بين أصول مجتهد فيها بحادثة ، فنصير إلى أقل ما قيل ، وهذا هو موضع الخلاف بين أصحابنا المخرج على وجهين . فأما مسألة الجمعة فدليلنا الخبر . ولو صح السؤال علينا لانقلب لأبي ثور على أبي حنيفة ، لأنه يجيزها بواحد .

وأما ولوغ الكلب فقد صرنا إلى ما نص عليه - رضي الله عنه - قال : وهذه المسألة مبنية على حادثة قد تقدمت قبلنا وانقرض العصر عليها واختلفوا فيها ، وأما اليوم فالمدار على الدليل . انتهى . وأجاب القفال عن مسألة الجمعة بأنها أقل ما قيل ، لأنه أقل ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه جمع فيهم في زمنه ذلك . وقسم ابن السمعاني المسألة إلى قسمين يخرج منهما الجواب : أحدهما : أن يكون ذلك فيما أصله براءة الذمة ، فإن كان الاختلاف في وجوب الحق وسقوطه كان سقوطه أولى ، لموافقة براءة الذمة ، ما لم يقم دليل الوجوب ، وإن [ كان ] الاختلاف في قدره بعد الاتفاق على وجوبه ، كدية الذمة إذا وجبت على قاتله ، فهل يكون الأخذ بأقله دليلا ؟ اختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين [ ص: 29 ] والثاني : أن يكون فيما هو ثابت في الذمة ، كالجمعة الثابت فرضها ، اختلف العلماء في عدد انعقادها ، فلا يكون الأخذ بالأقل دليلا لارتهان الذمة بها فلا تبرأ الذمة بالشك ، وهل يكون الأخذ بالأكثر دليلا ؟ فيه وجهان : أحدهما : يكون دليلا ولا ينتقل عنه إلا بدليل ، لأن الذمة تبرأ بالأكثر إجماعا ، وبالأقل خلافا ، فلذلك جعلها الشافعي تنعقد بأربعين ، لأن هذا العدد أكثر ما قيل . الثاني : لا يكون دليلا ، لأنه لا ينعقد من الخلاف دليل في حكم ، والشافعي إنما اعتبر الأربعين بدليل آخر .

قال ابن السمعاني : وهذا كله كلام بعض أصحابنا ، وليس فيه كبير معنى ، انتهى . وإنما يتم الأخذ بأقل ما قيل بشروط : أحدها : أن لا يكون أحد قال بعدم وجوب الشيء . وإلا لم يكن الثلث دية الذمي - مثلا - أقل الواجب . بل لا يكون هناك شيء هو الأقل . ثانيها : أن لا يكون أحد قال بوجوب شيء من ذلك النوع ، كما لو قيل : إنه يجب هاهنا فرس ، فإن هذا القائل لا يكون موافقا على وجوب الثلث وإن نقص ذلك عن قيمة الفرس ، والقائل بالثلث لا يقول بالفرس وإن نقصت قيمتها عن ثلث الدية ، فلا يكون هناك شيء هو أقل . ثالثها : أن لا يوجد دليل أخذ غير الأقل ، وإلا كان ثبوته بذلك الدليل ، لا بهذا الطريق .

رابعها : أن لا يوجد دليل يدل على ما هو زائد وإلا وجب العمل به وكان مبطلا لحكم هذا الأصل . ولهذا لم يقل الشافعي بانعقاد الجمعة بثلاثة ، ولا بالغسل من ولوغ الكلب ثلاثا ، وإن كان أقل ما قيل ، لقيام الدليل على اشتراط ما صار إليه ، وقال بعض الفضلاء : الأخذ بأقل ما قيل عبارة عن الأخذ بالمحقق وطرح المشكوك فيه فيما أصله البراءة ، والأخذ بما يخرج عن العهدة بيقين .

[ ص: 30 ] فيما أصله اشتغال الذمة . ولذلك جعل الأخذ بأكثر في الضرب الثاني - وهو ما أصله اشتغال الذمة بمنزلة الأخذ بالأقل في الأول . وقد وهم بعضهم فأورد عدد الجمعة سؤالا ، ولم يعلم أن الأخذ فيه بالأكثر بمنزلة الأخذ بالأقل ، وبيانه أن المركب من أجزاء على قسمين : أحدهما : أن يكون بعضها مرتبطا ببعض فلا يعتد به إلا مع صاحبه ، كصيام شهرين متتابعين في كفارة الظهار . وثانيهما : أن لا يرتبط ، كمن وجب عليه لزيد عشرون درهما يؤديها كل يوم درهما . ونظير الثاني : دية اليهودي ، فإن أبعاض [ الدية ] من حيث هي لا تعلق لبعضها ببعض ، فمن وجب عليه مائة من الإبل وجب كل واحد منها من غير تعلق له بصاحبها ، فإذا خرج ثلثها برئ قطعا ، وبقي ما وراءه ، والأصل عدمه ، فلم يوجد . ونظير الأول : الجمعة فإن أبعاض عددها يتعلق ببعض ، فمن صلاها في ثلاثة لم يخرج عن العهدة بيقين ولم يأت بما أسقط عنه شيئا ، فأخذنا بالأصل في الموضعين ، وهما في الحقيقة شيء واحد ، وحاصله إيجاب الاحتياط فيما أصله الوجوب دون غيره . والفروع في الموضعين لا تخفى . وبهذا يتبين أن الأخذ بأقل ما قيل مركب من الإجماع ومن البراءة الأصلية ، فلا يتجه من القائل المخالفة فيه ، ولا يصح التمسك فيه بالإجماع وحده كما قال القاضي والغزالي وتبعه ابن الحاجب . قال القاضي : ونقل بعض الفقهاء عن الشافعي أنه تمسك بالإجماع ، وهو خطأ عليه ، ولعل الناقل زل في كلامه . وقال الغزالي : هو سوء ظن به ، فإن المجمع عليه وجوب هذا القدر ، ولا مخالفة فيه ، والمختلف فيه سقوط الزيادة ، والإجماع عليه .

نعم المشكل جعله دليلا مستقلا مع تركيبه من دليلين ، فكيف يتجه ممن يوافق على الدليلين المذكورين مخالفة الشافعي فيه . وأما ابن حزم في الأحكام " فأنكر الأخذ بأقل ما قيل ، وقال : إنما يصح إذا أمكن ضبط أقوال جميع أهل الإسلام ، ولا سبيل إليه . وحكى [ ص: 31 ] قولا أنه يأخذ بأكثر ما قيل ليخرج عن عهد التكليف بيقين . قال : وليس الثلث في دية اليهودي بأقل ما قيل ، فقد روينا من طريق يونس بن عبيد ، عن الحسن البصري ، أن دية اليهودي والنصراني ثمانمائة درهم ، وهو أقل من ثلث دية المسلم ، فكان ينبغي أن تقولوا به ، لأنه أقل ما قيل . وعن بعض المتقدمين أنه لا دية للكتابي أصلا ، فليس ثلث الدية أقل ما قيل . قال : ولنا فيه تفصيل . وقال القاضي عبد الوهاب : يمكن أن يقال : إن الواجب الوسط من ذلك . وأوضح مثال لهذه المسألة قيمة المتلف ، بأن يجني على سلعة يختلف أهل الخبرة في تقويمها ، فيقومها . بعضهم بمائة ، وبعضهم بمائتين ، وكذلك إذا جرحه جراحة ليس فيها أرش مقدر . .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث