الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

دلالة الاقتران قال بها المزني وابن أبي هريرة والصيرفي منا ، وأبو يوسف من الحنفية ، ونقله الباجي عن نص المالكية قال : ورأيت ابن نصر يستعملها كثيرا وقيل : إن مالكا احتج في سقوط الزكاة عن الخيل بقوله تعالى : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة } فقرن في الذكر بين الخيل والبغال والحمير ، والبغال والحمير لا زكاة فيها إجماعا ، فكذلك الخيل وأنكرها الجمهور فيقولون : القران في النظم لا يوجب القران في الحكم ، وصورته أن يدخل حرف الواو بين جملتين تامتين كل منهما مبتدأ وخبر ، أو فعل وفاعل ، بلفظ يقتضي الوجوب في الجميع أو المعموم في الجميع ، ولا مشاركة بينهما في العلة ، ولم يدل دليل على التسوية بينهما ، كقوله تعالى : { كلوا من ثمره إذا أثمر ، وآتوا حقه يوم حصاده } وقوله : { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم } .

[ ص: 110 ] ، وكاستدلال المخالف في أن استعمال الماء ينجسه بقوله عليه السلام : { لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة } لكونه مقرونا بالنهي عن البول فيه ، والبول فيه يفسده ، فكذلك الاغتسال فيه وهو غير مرضي عند المحققين ، لاحتمال أن يكون النهي عن الاغتسال فيه لمعنى غير المعنى الذي منع من البول فيه لأجله ولعل المعنى في النهي عن الاغتسال لا ترتفع جنابته ، كما هو مذهب الحصري من أصحابنا واحتج القائلون بها بأن العطف يقتضي المشاركة ، وقياسا على الجملة الناقصة إذا عطفت على الكاملة وأجيب بأن الشركة إنما وجبت في الناقصة لافتقارها إلى ما تتم به ، فإذا تمت بنفسها لا تجب المشاركة إلا فيما يفتقر إليه .

ويدل على فساد هذا المذهب قوله تعالى : { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار } فإن هذه الجملة معطوفة على ما قبلها ، ولا تجب [ ص: 111 ] للثانية الشركة في الرسالة وقوله تعالى : { كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده } والإيتاء واجب دون الأكل ، والأكل يجوز في القليل والكثير ، والإيتاء لا يجب إلا في خمسة أوسق ، ولأن الأصل في كل كلام تام أن ينفرد بحكمه ولا يشاركه فيه الأول ، فمن ادعى خلاف هذا في بعض المواضع فلدليل من خارج لا من نفس النظم أما إذا كان المعطوف ناقصا ، بأن لم يذكر فيه الخبر فلا خلاف في مشاركته للأول ، كقولك : زينب طالق وعمرة ، لأن العطف يوجب المشاركة ، وأما إذا كان بينهما مشاركة في العلة فيثبت التساوي من هذه الحيثية ، لا من جهة القران ، احتجاج أصحابنا أن اللمس حدث بقوله تعالى : { أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء } ومثله عطف المفردات ، واحتجاج الشافعي على إيجاب العمرة بقوله : { وأتموا الحج والعمرة لله } قال البيهقي : قال الشافعي رضي الله عنه : الوجوب أشبه بظاهر القرآن ، لأنه قرنها بالحج ، وقال القاضي أبو الطيب : قول ابن عباس إنها لقرينتها " إنما أراد بها لقرينة الحج في الأمر ، وهو قوله : { وأتموا الحج والعمرة } والأمر يقتضي الوجوب ، فكان احتجاجه بالأمر دون الاقتران وقال الصيرفي في شرح الرسالة " ، في حديث أبي سعيد : { غسل الجمعة على كل محتلم ، والسواك ، وأن تمس الطيب } فيه دلالة على أن الغسل غير واجب ، لأنه قرنه بالسواك والطيب وهما غير واجبين بالاتفاق وقال غيره : احتج الشافعي على أن الصلاة الوسطى الصبح من حيث قرانها بالقنوت في قوله : { والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } .

[ ص: 112 ] ولم يحرم الأصحاب خطبة النكاح على المحرم مع أنها مقارنة للنكاح لقوله صلى الله عليه وسلم : { لا ينكح المحرم ولا يخطب } قال صاحب الوافي " : ولأصحابنا في الأصول وجه أن ما ثبت من الحكم لشيء ثبت لقرينه ، ولا يبعد أن قائله يحرم الخطبة والمذهب أنه لا يثبت الحكم للقرين إلا بأن يساويه في اللفظ أو يشاركه في العلة .

وقد بينا مفارقة الخطبة للعقد وهكذا إذا قرن بينهما في اللفظ ثم ثبت لأحدهما حكم بالإجماع ، لم يثبت أيضا للآخر ذلك الحكم إلا بدليل يدل على التسوية ، كاستدلال المخالف بأنه لا يجب غسل النجاسة بالماء ، بل يجوز بالخل ونحوه بقوله : { حتيه ثم اقرصيه بالماء } فقرن بين الحت والقرص والغسل بالماء ، وأجمعنا على أن الحت والقرص لا يجبان ، فكذلك الغسل بالماء وقال بعضهم : يقوي القول به إذا وقعت حادثة لا نص فيها ، كان ردها إلى ما قرن معها من الأعيان في بعض الأحوال أولى من ردها إلى غير شيء أصلا هذا ما يمكن خروجه على أصل أصحابنا ، وأما الحنفية فقالوا : إذا عطف جملة على جملة ، فإن كانتا تامتين كانت المشاركة في أصل الحكم لا في جميع صفاته ، وقد لا يقتضي مشاركة أصلا وهي التي تسمى " واو الاستئناف " ، كقوله تعالى : { فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل } فإن قوله : { ويمح الله الباطل } جملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها ، ولا هي داخلة في جواب الشرط ، وإن كانت [ ص: 113 ] الثانية ناقصة شاركت الأولى في جميع ما هي عليه فإذا قال : هذه طالق ثلاثا وهذه ، طلقت الثانية ثلاثا ، بخلاف ما إذا قال : وهذه طالق ، لا تطلق إلا واحدة ، لاستقلال الجملة بتمامها وعلى هذا بنوا بحثهم المشهور في قوله صلى الله عليه وسلم : { لا يقتل مؤمن بكافر } وسبق في باب العموم .

وقد التزم ابن الحاجب ، في أثناء كلام له في " مختصره " : أن قول القائل : ضرب زيدا يوم الجمعة وعمرا ، يتقيد بيوم الجمعة أيضا وهي تقتضي أن عطف الجملة الناقصة عنده على الكاملة يقتضي مشاركتها في أصل الحكم وتفاصيله ، وحكي ذلك عن ابن عصفور من النحويين وأما أصحابنا فكلامهم مختلف ، فقالوا : إذا قال : إن دخلت الدار فأنت طالق وفلانة ، أن الثانية تتقيد أيضا بالشرط وكذا لو قدم الجزاء ، وقالوا فيما إذا قال لفلان : علي ألف ودرهم : إنه لا يكون الدرهم مفسرا للألف ، بل له تفسيرها بما شاء وهو مذهب ولو قال : أنت طالق وهذه ، وأشار إلى أخرى ، فهل تطلق أو تفتقر إلى النية ؟ وجهان ولو قال : كل امرأة أتزوجها فهي طالق وأنت يا أم أولادي فقال العبادي : لا تطلق .

فرع : حجة الإسلام من رأس المال ، وتصح الوصية بها من الثلث فلو قرنها بأشياء تخرج من الثلث ، كصدقة التطوع وسقي الماء ، فقال ابن أبي هريرة : تعتبر من الثلث ، لأن الاقتران قرينة تفيد أنه قصد كونه من الثلث والمذهب خلافه ، لأن اقتران الشيئين في اللفظ لا يوجب اقترانهما في الحكم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث