الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 291 ] بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة الصف

وهي مدنية في قول الجمهور، وقال مكي عن ابن عباس رضي الله عنهما، والمهدوي عن عطاء ومجاهد : إنها مكية، والأول أصح لأن معاني السورة تعضده، ويشبه أن يكون فيها المكي.

قوله عز وجل:

سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين

قد تقدم القول غير مرة في تسبيح الجمادات، و"العزيز" في سلطانه وقدرته، و"الحكيم" في أفعاله وتدبيره، واختلف الناس في السبب الذي نزلت فيه يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، فقال ابن عباس ، وأبو صالح : نزلت بسبب أن جماعة قالوا: لوددنا أن نعرف أحب الأعمال إلى ربنا حتى نعتني به، ففرض الله الجهاد، وأعلمهم بفضله لديه، وأنه يحب المقاتلين في سبيله كالبنيان المرصوص، وكان إذ فرض قد تكرهه قوم منهم، وفر من فر يوم أحد، فعاتبهم الله تعالى بهذه الآية، وقال قتادة والضحاك : نزلت بسبب أن جماعة من شباب المسلمين كانوا يتحدثون عن أنفسهم في الغزو بما لم يفعلوا، ويقولون فعلنا وصنعنا، وذلك كذب، فنزلت الآية في ذلك، وقال ابن زيد : نزلت في المنافقين لأن جملة منهم كانوا يقولون للمؤمنين: نحن منكم ومعكم، ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك، فنزلت الآية عتابا لهم.

وحكم هذه الآية باق غابر الدهر، وكل من يقول ما لا يفعل فهو ممقوت مذق [ ص: 292 ] الكلام، والقول الآخير في المنافقين إنما يتوجه بأن يكونوا غير مجلحين بالنفاق، فلذلك خوطبوا بالمؤمنين، أي: في زعمكم وما تظهرون، والقول الأول يترجح بما يأتي بعد من أمر الجهاد والقتال.

و "المقت" : البغض من أجل ذنب أو ريبة أو دناءة يصنعها الممقوت، هذا حد المقت، فتأمله، و"مقتا" نصب على التمييز، والتقدير كبر فعلكم مقتا، والمراد: كبر مقت فعلكم، فحذف المضاف إليه ونصب المضاف على التمييز، وهذا كما تقول: تفقأ شحم بطنك، ثم تقول: تفقأ بطنك شحما، و"أن تقولوا" يحتمل أن يكون بدلا من المقدر، ويحتمل أن يكون خبر ابتداء مضمر، ويحتمل على غير هذا التقدير- أن يكون فاعلا بـ "كبر"، وقول المرء ما لا يفعل يوجب مقت الله تعالى، ولذلك فر كثير من العلماء من الوعظ والتذكير وآثروا السكوت.

ثم وكد تعالى الإخبار بمحبته للمقاتلين صفا، ومحبة الله تعالى هي ما يظهر عليهم من نصره وكرامته، وهي هنا صفة فعل وليست بمعنى الإرادة لأن الإرادة لا يصح أن يقع ما يخالفها، ونحن نجد المقاتلين على غير هذه الصفة كثيرا، وقال بعض الناس: قتال الرجالة أفضل من قتال الفرسان لأن التراص فيه يتمكن.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف خفي على قائله مقصد الآية، وليس المراد نفي التصاف، وإنما المقصد الجد في كل أوطان القتال وأحواله، وقصد بالذكر أشد الأحوال وهي الحالة التي تحوج إلى القتال صفا متراصا، ونابت هذه الحال المذكورة مناب جميع الأحوال، وقضت الآية بأن الذين يبلغ جدهم إلى هذه الحال حريون ألا يقصروا عن حال، و "المرصوص" المصفوف المتضام، وقال أبو بحرية "إذا رأيتموني ألتفت في [ ص: 293 ] الصف فجزوا فؤادي"، ومنه قول الشاعر :


وبالشام بين صفائح صم ترصص بالجنوب



وقال منذر بن سعيد ، والفراء ، وغيرهما: المرصوص المعقود بالرصاص، وهذا يحتمل أن يكون أصل اللفظة.

ثم ذكر الله تعالى مقالة موسى عليه السلام، وذلك ضرب مثل للمؤمنين الذين يقولون ما لا يفعلون، ذكرهم الله تعالى بقوم آذوا نبيهم على علم منهم بنبوته، وزاغوا فأزاغ الله تعالى قلوبهم، فاحذروا أيها المؤمنون أن يصيركم العصيان وقول الباطل إلى مثل حالهم، وقال أبو أمامة : هم الخوارج، وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: هم الحرورية.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

المعنى أنهم أشباههم في أنهم لما زاغوا أزاغ الله قلوبهم.

وقوله تعالى: "لم تؤذونني" تقرير، والمعنى: تؤذونني بتعنتكم وعصيانكم واقتراحاتكم، وهذه كانت أفعال بني إسرائيل.

وانظر إنه تعالى أسند الزيغ إليهم لكونه فعل حطيطة، كما قال الله تعالى: نسوا الله فأنساهم أنفسهم ، وهذا بخلاف قوله تعالى: ثم تاب عليهم ليتوبوا فقد أسند التوبة إلى نفسه لكونها فعل رفعة، ومنه قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: وإذا مرضت فهو يشفين ، و "زاغ" معناه: مال، وصار عرفها في الميل عن [ ص: 294 ] الحق، و أزاغ الله قلوبهم معناه: طبع عليها وختم وكثر ميلها عن الحق، وهذه العقوبة على الذنب بالذنب، وأمال ابن أبي إسحاق : زاغوا.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث