الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب الحج عمن يحج عنه

حدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس قال كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر فقالت يا رسول الله إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال نعم وذلك في حجة الوداع

التالي السابق


30 - باب الحج عمن يحج عنه

806 795 - ( مالك عن ابن شهاب ) الزهري ( عن سليمان بن يسار ) الهلالي ( عن عبد الله بن عباس ، قال : كان الفضل بن عباس ) أكبر ولده ، وبه كان يكنى أبوه ، استشهد في خلافة عمر بأجنادين ، هكذا قال مالك ، وأكثر الرواة عن الزهري أن الحديث من مسند عبد الله ، وخالفهم ابن جريج عن ابن شهاب في الصحيحين ، فقال عن ابن عباس عن الفضل : أن امرأة ، فذكره ، فجعله من مسند الفضل ، وتابعه معمر ، قال الترمذي : سألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا ، فقال : أصح شيء في هذا ما روي عن ابن عباس عن الفضل ، قال محمد : ويحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل ، وغيره ، ثم رواه بلا واسطة ، انتهى .

وكأنه [ ص: 436 ] رجح هذا لأن الفضل كان رديف المصطفى حينئذ ، وكان عبد الله تقدم من مزدلفة إلى منى مع الضعفة ، فكأن الفضل حدث أخاه بما شاهده في تلك الحالة ، لكن عند أحمد ، والترمذي : أن العباس كان حاضرا ، فلا مانع أن عبد الله كان معه ، فحمله تارة عن أخيه ، وتارة حدث به عن مشاهدة ، فقال : كان الفضل ( رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) زاد البخاري من رواية شعيب عن الزهري : على عجز راحلته ، وفيه جواز الإرداف ، وهو من التواضع ، ولا خلاف فيه إذا أطاقته الدابة ، والرجل الجليل جميل به الارتداف ، والأنفة منه تجبر وتكبر ، قاله أبو عمر .

( فجاءته امرأة ) ، قال : الحافظ : لم تسم ( من خثعم ) - بفتح الخاء المعجمة ، وسكون المثلثة ، وفتح المهملة - غير مصروف للعلمية ، والتأنيث باعتبار القبيلة لا العلمية ، ووزن الفعل ، قبيلة مشهورة سميت باسم جدها ، واسمه أفتل بن أنمار ، قال ابن الكلبي عن أبيه إنما سمي خثعم بجمل يقال له : خثعم ، ويقال : إنه لما تحالف ولد أفتل على إخوته نحروا بعيرا ، ثم تخثعموا بدمه ، أي تلطخوا به بلغتهم ، ( تستفتيه ، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر ) المرأة ( إليه ) ، وكان جميلا ، قال القرطبي : هذا النظر هو بمقتضى الطباع ، فإنها مجبولة على النظر إلى الصورة الحسنة ، ولذا قال في بعض طرق الحديث : وكان الفضل أبيض وسيما .

( فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر ) الذي ليس فيه المرأة ، منعا له عن مقتضى الطبع وردا إلى مقتضى الشرع .

وقال ابن عبد البر عياض : فيه ما يلزم الأئمة من تغيير ما يخشى فتنته ، ومنعه ما ينكر في الدين .

وقال النووي : فيه حرمة النظر إلى الأجنبية ، وتغيير المنكر باليد لمن قدر عليه .

قال الأبي : الأظهر أن صرفه وجه الفضل ليس للوقوع في المحرم ، كما يعطيه كلام عياض والنووي ، وإنما هو لخوف الوقوع ، كما يعطيه كلام القرطبي ، انتهى .

وقال الولي العراقي : إن أراد النووي تحريم النظر عند خوف الفتنة ، فهو محل وفاق من العلماء ، وإن أراد الأعم من خوفها وأمنه ، ففي حالة أمنها خلاف مشهور للعلماء ، وهما وجهان ، ولا يصح الاستدلال بالحديث على التحريم في هذه الحالة ، لأن الأمر محتمل لكل منهما ، بل الظاهر أن المصطفى خشي عليهما الفتنة ، وبه صرح جابر في حديثه الطويل عند الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لوى عنق الفضل ، فقال له العباس : لويت عنق ابن عمك ، فقال : رأيت شابا وشابة ، فلم آمن الشيطان عليهما ، قال النووي نفسه ، فهذا يدل على أن وضع يده على الفضل كان لدفع الفتنة عنه وعنها .

وفي مسلم عن جابر : وضع يده على وجه الفضل ، فكأنه صرف وجهه ، بل عنقه ، ووضع يده عليه مبالغة في منعه ، وهذا أولى من قول الولي : فعل كلا منهما في وقت ، فلوى عنقه تارة ، ووضع يده على وجهه تارة ، وبين استفتاء ما يقوله ، ( فقالت : يا رسول الله [ ص: 437 ] إن فريضة الله في الحج أدركت أبي ) - لم يسم أيضا - ( شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة ) ، صفة بعد صفة ، أو من الأحوال المتداخلة ، أو شيخا بدل لكونه موصوفا ، أي وجب عليه الحج بأن أسلم وهو شيخ كبير ، وحصل له المال في هذه الحالة ، والأول أوجه ، قاله الطيبي ، ( أفأحج ) أي : أيصح أن أنوب عنه ، فأحج ( عنه ؟ قال : نعم ) ، أي حجي عنه ، وبه استدل من قال كالشافعي : تجب الاستنابة على العاجز عن الحج الفرض ، قال عياض : ولا حجة فيه ، لأن قولها : إن فريضة الله إلى آخره ، لا يوجب دخول أبيها في هذا الفرض ، وإنما الظاهر من الحديث ، أنها أخبرت أن فرض الحج بالاستطاعة نزل وأبوها غير مستطيع ، فسألت هل يباح لها أن تحج عنه ، ويكون له في ذلك أجر ، ولا يخالفه قوله في رواية : فحجي عنه ، لأنه أمر ندب وإرشاد ، ورخصة لها أن تعل لما رأى من حرصها على تحصيل الخير لأبيها .

وقال أبو عمر : حديث الخثعمية خاص بها لا يجوز أن يتعدى إلى غيرها ، لقوله تعالى : من استطاع إليه سبيلا ( سورة آل عمران : الآية 97 ) ، وكان أبوها ممن لا يستطيع ، فلم يكن عليه الحج ، فكانت ابنته مخصوصة بذلك الجواب ، وممن قال بذلك ، مالك ، وأصحابه ، قال الماري للآية لأن الظاهر في الاستطاعة أنها البدنية ، إذ لو كانت المالية ، لقال : أحجاج البيت ، والحج فرع بين أصلين : أحدهما : عمل بدون صرف كالصلاة ، والصوم ، فلا استنابة فيه .

والثاني : مال صرف كالصدقة .

وقال عياض : الاستطاعة عند مالك هي القدرة ولو على رجليه دون مشقة فادحة ، وقال الأكثر : هي الزاد والراحلة ، وجاء فيه حديث ، لكن ضعفه أهل الحديث ، وتأويله عندنا : أنه أحد أنواع الاستطاعة لا كلها ، ولعمري إنه بين إن صح ، فإن كانت الاستطاعة هي السبب فقد تضمن الزاد ، والراحلة ، أمن الطريق ، وصحة الجسم .

( وذلك في حجة الوداع ) ، وفي رواية شعيب عن الزهري ، يوم النحر .

وفي الترمذي وأحمد ، ما يدل على أن السؤال وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي ، وهذا الحديث رواه البخاري ، وأبو داود عن القعنبي والبخاري أيضا عن عبد الله بن يوسف ، ومسلم ، عن يحيى ، والنسائي من طريق ابن القاسم الأربعة عن مالك به ، وتابعه عبد العزيز بن أبي سلمة ، وشعيب ، والأوزاعي عند البخاري ، وابن عيينة ، وصالح بن كيسان ، وأيوب السختياني ، ويحيى بن أبي إسحاق عند النسائي سبعتهم عن الزهري به .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث