الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 39 ] باب الاستيلاد

( إذا ولدت الأمة من مولاها فقد صارت أم ولد له لا يجوز بيعها ولا تمليكها ) { لقوله عليه الصلاة والسلام : أعتقها ولدها }أخبر عن إعتاقها فيثبت بعض مواجبه ، وهو حرمة البيع ; ولأن الجزئية قد حصلت بين الواطئ والموطوءة بواسطة الولد فإن الماءين قد اختلطا ، بحيث لا يمكن الميز بينهما على ما عرف في حرمة المصاهرة إلا أن بعد الانفصال تبقى الجزئية حكما لا حقيقة ، فضعف [ ص: 40 ] السبب فأوجب حكما مؤجلا إلى ما بعد الموت وبقاء الجزئية حكما باعتبار النسب ، وهو من جانب الرجال فكذا الحرية تثبت في حقهم لا في حقهن حتى إذا ملكت الحرة زوجها ، وقد ولدت منه لم يعتق الزوج الذي ملكته بموتها وبثبوت عتق مؤجل يثبت حق الحرية في الحال ، فيمنع جواز البيع وإخراجها لا إلى الحرية في الحال ، ويوجب عتقها بعد موته ، وكذا إذا كان بعضها مملوكا له ; لأن الاستيلاد لا يتجزأ فإنه فرع النسب فيعتبر بأصله .

قال : ( وله وطؤها واستخدامها وإجارتها وتزويجها ) لأن الملك فيها قائم فأشبهت المدبرة ( ولا يثبت نسب ولدها إلا أن يعترف به ) وقال الشافعي رحمه الله : يثبت نسبه منه وإن لم يدع ; لأنه لما ثبت النسب بالعقد فلأن يثبت بالوطء ، وأنه أكثر إفضاء أولى .

ولنا أن وطء الأمة يقصد به قضاء الشهوة ، دون الولد لوجود المانع عنه ، فلا بد من الدعوة بمنزلة ملك اليمين من غير وطء بخلاف العقد ; لأن الولد يتعين مقصودا منه ، فلا حاجة إلى الدعوة ( فإن جاءت بعد ذلك بولد ثبت نسبه بغير إقرار ) معناه بعد اعتراف منه بالولد الأول ; لأنه بدعوى الولد الأول تعين الولد مقصودا منها ، فصارت فراشا كالمعقودة بعد النكاح ( إلا أنه إذا نفاه ينتفي بقوله ) لأن فراشها ضعيف حتى يملك نقله بالتزويج ، بخلاف المنكوحة حيث لا ينتفي الولد بنفيه إلا باللعان لتأكد الفراش ، حتى لا يملك إبطاله بالتزويج .

وهذا الذي ذكرناه حكم .

فأما الديانة فإن كان وطئها وحصنها ولم يعزل عنها يلزمه أن يعترف به ، ويدعى لأن الظاهر أن الولد منه ، وإن عزل عنها أو لم يحصنها جاز له أن ينفيه ; لأن هذا الظاهر يقابله ظاهر آخر ، هكذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله .

وفيه روايتان أخريان عن أبي يوسف .

وعن محمد رحمهما اللهذكرناهما في كفاية المنتهى ( فإن زوجها [ ص: 41 ] فجاءت بولد فهو في حكم أمه ) لأن حق الحرية يسري إلى الولد كالتدبير ، ألا ترى أن ولد الحرة حر وولد القنة رقيق ( والنسب يثبت من الزوج ) لأن الفراش له ، وإن كان النكاح فاسدا إذ الفاسد ملحق بالصحيح في حق الأحكام ، ولو [ ص: 42 ] ادعاه المولى لا يثبت نسبه منه ; لأنه ثابت النسب من غيره ويعتق الولد وتصير أمه أم ولد لا لإقراره .

[ ص: 39 ]

التالي السابق


[ ص: 39 ] باب الاستيلاد .

الحديث الأول : قال عليه السلام : { أعتقها ولدها }; قلت : رواه ابن ماجه في " سننه في كتاب الأحكام " من حديث أبي بكر النهشلي عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : { ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أعتقها ولدها ، }انتهى .

ورواه الحاكم في " المستدرك في البيوع " ، وسكت عنه ، إلا أنه قال : فيه أبو بكر بن أبي سبرة ، والحديث معلول بابن أبي سبرة ، وحسين ، فإنهما ضعيفان ، قال ابن القطان في " كتابه " : وقد روي بإسناد جيد ، قال قاسم بن أصبغ في " كتابه " : حدثنا محمد بن وضاح ثنا مصعب بن سعيد أبو خيثمة المصيصي ثنا عبيد الله بن عمر هو الرقي عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : { لما ولدت مارية إبراهيم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعتقها ولدها }انتهى .

ومن طريق قاسم بن أصبغ رواه ابن عبد البر في " التمهيد " ومن جهة ابن عبد البر ذكره عبد الحق في " أحكامه " وخلط في إسناده تخليطا بينه ابن القطان في " كتابه " ، وحرره كما ذكرناه ، والله أعلم ورواه ابن عدي في " الكامل " بسند ابن ماجه ، وأعله بأبي بكر بن أبي سبرة ، وقال : إنه في جملة من يضع الحديث ، وأسند عن البخاري أنه قال فيه : منكر الحديث .

وعن النسائي أنه قال : متروك الحديث ، وإلى ابن معين أنه قال فيه : ليس بشيء ; وأخرجه الدارقطني أيضا عن عبد الله بن سلمة بن أسلم عن الحسين به ، وعبد الله هذا ضعيف عن حسين ، وأخرجه أيضا عن سعيد بن زكريا المدائني عن ابن [ ص: 40 ] أبي سارة عن ابن أبي حسين عن عكرمة عن ابن عباس ، وسعيد هذا فيه لين ، وابن أبي سارة مجهول ، وأخرجه أيضا عن ابن أبي أويس عن حسين المذكور ، وأبو أويس فيه لين ، وأخرجه ابن ماجه أيضا عن شريك عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " { أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته } ، انتهى .

[ ص: 41 ] ورواه الحاكم في " المستدرك " ، وقال : حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، وقال البيهقي في " المعرفة " : هكذا رواه شريك ، وكذلك رواه أبو أويس المدني في إحدى الروايتين عنه ; ورواه أبو بكر بن أبي سبرة عن حسين بإسناده { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أم إبراهيم حين ولدته : أعتقها ولدها } ، وكذلك رواه أبو أويس عن حسين ، إلا أنه أرسله ; وروي عن ابن أبي حسين عن عكرمة عن ابن عباس ، ولم يثبت فيه شيء ; وقد روى سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة عن عمر أنه قال في أم الولد : أعتقها ولدها ، وإن كان سقطا ; وبمعناه رواه ابن عيينة عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن عمر : ورواه خصيف الجزري عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر ، فعاد الحديث إلى قول عمر ، وهو الأصل في ذلك ، وأحسن شيء روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما أخرجه أبو داود في " سننه " عن محمد بن إسحاق عن خطاب بن صالح مولى الأنصار عن أمه { عن سلامة بنت معقل امرأة من خارجة قيس عيلان قالت : قدم بي عمي في الجاهلية فباعني من الحباب بن عمرو أخي أبي اليسر بن عمرو ، فولدت له عبد الرحمن بن الحباب ، ثم هلك ، فقالت امرأته : الآن والله تباعين في دينه ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إني امرأة من خارجة قيس عيلان ، قدم بي عمي المدينة في الجاهلية ، فباعني من الحباب بن عمرو أخي أبي اليسر بن عمرو فولدت له عبد الرحمن . فقالت امرأته : الآن والله تباعين في دينه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ولي الحباب ؟ قيل : أخوه أبو اليسر بن عمرو ، . فبعث إليه ، فقال : أعتقوها ، فإذا سمعتم برقيق قدم علي فأتوني أعوضكم منها ، قالت : فأعتقوني ، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رقيق فعوضهم مني غلاما }انتهى كلامه .

قلت : قوله : وكذلك رواه أبو أويس ، حديث أبي أويس ، رواه أبو يعلى الموصلي في " مسنده " حدثنا زهير ثنا إسماعيل بن أبي أويس ثنا أبي عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أيما أمة ولدت من سيدها فإنها حرة إذا مات ، [ ص: 42 ] إلا أن يعتقها قبل موته ، }انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث