الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب الحلاق

حدثني يحيى عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم ارحم المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال اللهم ارحم المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال والمقصرين

التالي السابق


60 - باب الحلاق

901 887 - ( مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ) في حجة الوداع ، كما هو ظاهر سياق الإمام لهذا الحديث في الحج ، وبه صرح البخاري عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ، قال : " حلق - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع ، وناس من أصحابه ، وقصر بعضهم " ، فقال : ( اللهم ارحم المحلقين ، قالوا ) أي الصحابة ، قال الحافظ : ولم أقف في شيء من طرقه على الذي تولى السؤال في ذلك بعد البحث الشديد ( والمقصرين يا رسول الله ) أي قل وارحم المقصرين ( قال : اللهم ارحم المحلقين ، قالوا ) : قل ( والمقصرين يا رسول الله ) فالعطف على محذوف وهو يسمى العطف التلقيني كقوله تعالى : ( قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي ) ( سورة البقرة : الآية 124 ) ( قال والمقصرين ) قال الحافظ : فيه إعطاء المعطوف حكم المعطوف عليه ، ولو تخلل بينهما السكوت بلا عذر ، ثم هو هكذا في معظم الروايات عن مالك الدعاء للمحلقين مرتين ، وعطف المقصرين عليهم في المرة الثالثة ، وانفرد يحيى بن بكير دون رواة الموطأ بإعادة ذلك ثلاث مرات ، نبه عليه ابن عبد البر في التقصي ، وأغفله في التمهيد ، بل قال فيه : إنهم لم يختلفوا على مالك في ذلك ، وقد راجعت أصل [ ص: 523 ] سماعي من موطأ يحيى بن بكير ، فوجدته كما قال في التقصي ، وفي رواية الليث عن نافع عند مسلم ، وعلقها البخاري : " ارحم المحلقين مرة أو مرتين ، قالوا : والمقصرين ؟ قال : والمقصرين " ، والشك فيه من الليث ، وإلا فأكثرهم موافق لرواية مالك ولمسلم ، وعلقه البخاري من رواية عبيد الله بالتصغير عن نافع ، قال : في الرابعة والمقصرين .

ولمسلم من وجه آخر ، عن عبيد الله بلفظ مالك سواء ، وبيان كونها في الرابعة أن قوله : والمقصرين عطف على مقدر ، أي وارحم المحلقين ، وإنما قاله بعد دعائه لهم ثلاث مرات ، فيكون دعاؤه للمقصرين في الرابعة .

ورواه أبو عوانة من طريق الثوري ، عن عبيد الله بلفظ : قال في الثالثة ، والمقصرين ، والجمع بينهما واضح بأن من قال الرابعة فعلى ما شرحناه ، ومن قال الثالثة أراد أن المقصرين عطف على الدعوة الثالثة ، أو أراد بالثالثة مسألة السائلين ، وكان - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لا يراجع بعد ثلاث ، ولو لم يدع لهم ثالث مسألة ما سألوه .

ولأحمد من طريق أيوب عن نافع بلفظ : " اللهم اغفر للمحلقين ، قالوا : وللمقصرين حتى قالها ثلاثا ، أو أربعا ، ثم قال : والمقصرين " ، ورواية من جزم مقدمة على من شك ، وقد اختلف المتكلمون على هذا الحديث في الوقت الذي قال فيه ذلك ، فقال ابن عبد البر : لم يذكر أحد من رواة نافع عن ابن عمر أن ذلك كان يوم الحديبية ، وهو تقصير حذف ، وإنما جرى ذلك يوم الحديبية حين صد عن البيت ، وهذا محفوظ مشهور من حديث ابن عمر وأبي سعيد وابن عباس وأبي هريرة وحبشي بن جنادة وغيرهم ، ثم أخرج حديث أبي سعيد بلفظ : " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستغفر لأهل الحديبية للمحلقين ثلاثا ، وللمقصرين مرة " وحديث ابن عباس بلفظ : " حلق رجال يوم الحديبية ، وقصر آخرون ، فقال - صلى الله عليه وسلم : رحم الله المحلقين " الحديث ، وحديث أبي هريرة ، ولم يسق لفظه ، بل قال وذكر معناه ، وتجوز في ذلك فليس في حديثه تعيين الموضع ، ولم يقع في شيء من طرقه التصريح بسماعه له من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة الوداع ، لأنه شهدها ، ولم يشهد الحديبية ، ولم يسق ابن عبد البر عن ابن عمر في هذا شيئا ، ولم أقف على تعيين الحديبية في شيء من الطرق عنه ، بل صرح موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ، بأنه في حجة الوداع .

رواه البخاري في المغازي وعنده من رواية جويرية بن أسماء ، ومسلم من رواية الليث كلاهما عن نافع عن ابن عمر ، ما يشعر بأن ذلك وقع في حجة الوداع ، وإليه يومي صنيع البخاري ومالك .

وأما حديث حبشي بن جنادة ، فرواه ابن أبي شيبة ، ولم يعين المكان .

ورواه أحمد عن حبشي وكان ممن شهد حجة الوداع ، فذكر هذا الحديث ، وهذا يشعر بأنه كان فيها .

وأما قول ابن عبد البر وغيرهم فقد ورد تعيين الحديبية عن جابر عند الطبراني ، والمسور بن مخرمة عند ابن إسحاق ، وكذا جزم إمام الحرمين بأنه في الحديبية ، وورد تعيين حجة الوداع من حديث أبي مريم السلولي عند أحمد وابن أبي [ ص: 524 ] شيبة وأم الحصين عند مسلم ، وقارب الثقفي عند أحمد ، وابن أبي شيبة وأم عمارة عند الحارث ، والأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع أكثر عددا ، وأصح إسنادا ، ولذا قال النووي : إنه الصحيح المشهور ، ولا يبعد أنه وقع في الموضعين .

وقال عياض : كان في الموضعين ، وقال ابن دقيق العيد : إنه الأقرب ، قلت : بل هو المتعين لتظافر الروايات بذلك في الموضعين إلا أن السبب فيهما مختلف ، فالذي في الحديبية سببه توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال لما دخل عليهم من الحزن ، لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك ، فخالفهم - صلى الله عليه وسلم - وصالح قريشا على أن يرجع من العام المقبل ، فلما أمرهم بالإحلال توقفوا ، فأشارت أم سلمة أن يحل هو ، ففعل ، فحلق بعض ، وقصر بعض ، فكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن قصر ، وصرح بهذا السبب في حديث عند ابن ماجه وغيره أنهم قالوا : يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم ؟ قال : لأنهم لم يشكوا .

وأما سبب تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع ، فقال ابن الأثير في النهاية : كان أكثر من حج معه - صلى الله عليه وسلم - لم يسق الهدي ، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ، ثم يتحللوا منها ، ويحلقوا رءوسهم شق عليهم ، فلما لم يكن لهم بد من الطاعة كان التقصير في أنفسهم أخف من الحلق ، ففعله أكثرهم ، فرجح النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل من حلق ، لأنه أبين في امتثال الأمر ، وفيه نظر وإن تبعه عليه غير واحد ، لأن المتمتع يستحب له أن يقصر في العمرة ، ويحلق في الحج إذا قرب ما بين النسكين ، وقد كان كذلك هنا ، والأولى قول الخطابي وغيره : إن عادة العرب حب توفير الشعور والتزين بها ، والحلق فيهم قليل ، وربما رأوه من الشهرة ومن زي الأعاجم لذا كرهوا الحلق ، واقتصروا على التقصير .

وفي حديث الباب من الفوائد أن التقصير يجزي عن الحلق ، وهو مجمع عليه إلا رواية عن الحسن البصري تعين الحلق أول حجة ، وثبت عنه خلافه ، وفيه أن الحلق أفضل ، لأنه أبلغ في العبادة ، وأبين للخضوع والذلة ، وأدل على صدق النية ، والمقصر يبقي على نفسه شيئا مما يتزين به بخلاف الحالق ، فيشعر بأنه ترك ذلك لله وإشارة إلى التجرد ، ولذا استحب الصلحاء إلقاء الشعور عند التوبة ، وتعليل النووي وغيره بأن المقصر مبق على نفسه الشعر الذي هو زينة ، والحاج مأمور بتركها ، بل هو أشعث أغبر ، فيه نظر ، لأن الحلق إنما يقع بعد انقضاء زمن الأمر بالتقشف ، فإنه يحل له كل شيء إلا النساء في الحج خاصة ، وفيه مشروعية حلق جميع الرأس ، لأنه الذي يقتضيه قوله : ( المحلقين ) ، وقال بوجوبه مالك وأحمد ، واستحبه الكوفيون والشافعي ، ويجزي البعض عندهم ، فعند الحنفية الربع إلا أبا يوسف ، فقال : النصف ، وقال الشافعي : أقل ما يجب حلق ثلاث شعرات ، والتقصير كالحلق يأخذ الرجل من جميع شعره من قرب أصله استحبابا ، فإن أخذ من أطرافه أجزأ كما في المدونة وإن لم [ ص: 525 ] يزد على قدر ما تأخذه المرأة ، وهو قدر أنملة ، والمشروع في حق النساء التقصير بإجماع ، وفي أبي داود عن ابن عباس ، مرفوعا : " ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير " ، وللترمذي عن علي : " نهى أن تحلق المرأة رأسها " وفيه أيضا الدعاء لمن فعل ما شرع له ، وتكراره لمن فعل ، الراجح من الأمرين المخير فيهما ، والتنبيه بالتكرار على الرجحان ، وطلب الدعاء لمن فعل الجائز ، وإن كان مرجوحا ، ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ، ومسلم عن يحيى كلاهما عن مالك به ، وله متابعات في الصحيحين وغيرهما .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث