الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بطلان قول من قال أمرهم صلى الله عليه وسلم بالفسخ ليبين لهم جواز العمرة في أشهر الحج

فصل

وأما الطريقة الثانية فأظهر بطلانا من وجوه عديدة .

أحدها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتمر قبل ذلك عمره الثلاث في أشهر الحج في ذي القعدة ، كما تقدم ذلك ، وهو أوسط أشهر الحج . فكيف يظن أن الصحابة لم يعلموا جواز الاعتمار في أشهر الحج إلا بعد أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة ، وقد تقدم فعله لذلك ثلاث مرات ؟

الثاني : أنه قد ثبت في " الصحيحين " ، أنه قال لهم عند الميقات : " من شاء أن يهل بعمرة فليفعل ، ومن شاء أن يهل بحجة فليفعل ، ومن شاء أن يهل بحج وعمرة فليفعل " ، فبين لهم جواز الاعتمار في أشهر الحج عند الميقات ، وعامة المسلمين معه ، فكيف لم يعلموا جوازها إلا بالفسخ ؟ ولعمر الله إن لم يكونوا يعلمون جوازها بذلك فهم أجدر أن لا يعلموا جوازها بالفسخ .

الثالث : أنه أمر من لم يسق الهدي أن يتحلل ، وأمر من ساق الهدي أن يبقى على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله ، ففرق بين محرم ومحرم ، وهذا يدل على أن سوق الهدي هو المانع من التحلل ، لا مجرد الإحرام الأول ، والعلة التي ذكروها لا تختص بمحرم دون محرم ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل التأثير في الحل وعدمه للهدي وجودا وعدما لا لغيره .

[ ص: 198 ] الرابع :أن يقال : إذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد مخالفة المشركين ، كان هذا دليلا على أن الفسخ أفضل لهذه العلة ؛ لأنه إذا كان إنما أمرهم بذلك لمخالفة المشركين ، كان يكون دليلا على أن الفسخ يبقى مشروعا إلى يوم القيامة ، إما وجوبا وإما استحبابا ، فإن ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وشرعه لأمته في المناسك مخالفة لهدي المشركين ، هو مشروع إلى يوم القيامة ، إما وجوبا أو استحبابا ، فإن المشركين كانوا يفيضون من عرفة قبل غروب الشمس ، وكانوا لا يفيضون من مزدلفة حتى تطلع الشمس ، وكانوا يقولون أشرق ثبير كيما نغير فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال :" خالف هدينا هدي المشركين ، فلم نفض من عرفة حتى غربت الشمس ".

وهذه المخالفة إما ركن كقول مالك ، وإما واجب يجبره دم ، كقول أحمد ، وأبي حنيفة ، والشافعي في أحد القولين ، وإما سنة كالقول الآخر له .

والإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس سنة باتفاق المسلمين ، وكذلك قريش كانت لا تقف بعرفة ، بل تفيض من جمع ، فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ووقف بعرفات ، وأفاض منها ، وفي ذلك نزل قوله تعالى : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) [ البقرة 199 ] وهذه المخالفة من أركان الحج باتفاق المسلمين [ ص: 199 ] فالأمور التي نخالف فيها المشركين هي الواجب أو المستحب ، ليس فيها مكروه ، فكيف يكون فيها محرم ، وكيف يقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه بنسك يخالف نسك المشركين ، مع كون الذي نهاهم عنه أفضل من الذي أمرهم به .أو يقال : من حج كما حج المشركون فلم يتمتع ، فحجه أفضل من حج السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

الخامس : أنه قد ثبت في " الصحيحين " عنه أنه قال :" دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " . وقيل له عمرتنا هذه لعامنا هذا ، أم للأبد ؟ فقال : " لا ، بل لأبد الأبد ، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ".

وكان سؤالهم عن عمرة الفسخ كما جاء صريحا في حديث جابر الطويل . قال : حتى إذا كان آخر طوافه على المروة ، قال : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، لم أسق الهدي ، ولجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي ، فليحل وليجعلها عمرة " ، فقام سراقة بن مالك فقال : يا رسول الله ألعامنا هذا ، أم للأبد ؟ فشبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابعه واحدة في الأخرى ، وقال " دخلت العمرة في الحج مرتين ، لا بل لأبد الأبد" وفي لفظ : قدم رسول الله صبح رابعة مضت من ذي الحجة ، فأمرنا أن نحل فقلنا : لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس ، أمرنا أن نفضي إلى نسائنا ، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني . . . فذكر الحديث. وفيه : فقال سراقة بن مالك : لعامنا هذا أم للأبد ؟ فقال " لأبد " .

وفي " صحيح البخاري " عنه : أن سراقة قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : " ألكم خاصة هذه يا رسول الله ؟ قال " بل للأبد " فبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تلك العمرة التي فسخ من [ ص: 200 ] فسخ منهم حجة إليها للأبد ، وأن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة . وهذا يبين أن عمرة التمتع بعض الحج .

وقد اعترض بعض الناس على الاستدلال بقوله : " بل لأبد الأبد " باعتراضين ، أحدهما : أن المراد ، أن سقوط الفرض بها لا يختص بذلك العام ، بل يسقطه إلى الأبد ، وهذا الاعتراض باطل ، فإنه لو أراد ذلك لم يقل : للأبد ، فإن الأبد لا يكون في حق طائفة معينة ، بل إنما يكون لجميع المسلمين ، ولأنه قال : "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " ، ولأنهم لو أرادوا بذلك السؤال عن تكرار الوجوب ، لما اقتصروا على العمرة ، بل كان السؤال عن الحج ، ولأنهم قالوا له :" عمرتنا هذه لعامنا هذا ، أم للأبد ؟" ولو أرادوا تكرار وجوبها كل عام لقالوا له ، كما قالوا له في الحج : أكل عام يا رسول الله ؟ ولأجابهم بما أجابهم به في الحج بقوله : " ذروني ما تركتكم . لو قلت : نعم لوجبت ". ولأنهم قالوا له : هذه لكم خاصة ، فقال : " بل لأبد الأبد " . فهذا السؤال والجواب صريحان في عدم الاختصاص .

الثاني : قوله : إن ذلك إنما يريد به جواز الاعتمار في أشهر الحج ، وهذا الاعتراض أبطل من الذي قبله ، فإن السائل إنما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه عن المتعة التي هي فسخ الحج ، لا عن جواز العمرة في أشهر الحج ؛ لأنه إنما سأله عقب أمره من لا هدي معه بفسخ الحج ، فقال له سراقة حينئذ : هذا لعامنا ، أم للأبد ؟ فأجابه - صلى الله عليه وسلم - عن نفس ما سأله عنه ، لا عما لم يسأله عنه ، وفي قوله : " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " عقب أمره من لا هدي معه بالإحلال ، بيان جلي أن ذلك مستمر إلى يوم القيامة ، فبطل دعوى الخصوص ، وبالله التوفيق .

السادس : أن هذه العلة التي ذكرتموها ، ليست في الحديث ، ولا فيه إشارة إليها ، فإن كانت باطلة بطل اعتراضكم بها ، وإن كانت صحيحة ، فإنها لا تلزم الاختصاص بالصحابة بوجه ، من الوجوه بل إن صحت اقتضت دوام معلولها واستمراره ، كما أن الرمل شرع ليري المشركين قوته وقوة أصحابه ، واستمرت [ ص: 201 ] مشروعيته إلى يوم القيامة ، فبطل الاحتجاج بتلك العلة على الاختصاص بهم على كل تقدير .

السابع أن الصحابة - رضي الله عنهم - ، إذا لم يكتفوا بالعلم بجواز العمرة في أشهر الحج على فعلهم لها معه ثلاثة أعوام ، ولا بإذنه لهم فيها عند الميقات حتى أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة ، فمن بعدهم أحرى أن لا يكتفي بذلك حتى يفسخ الحج إلى العمرة ، اتباعا لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واقتداء بأصحابه ، إلا أن يقول قائل : إنا نحن نكتفي من ذلك بدون ما اكتفى به الصحابة ، ولا نحتاج في الجواز إلى ما احتاجوا هم إليه ، وهذا جهل نعوذ بالله منه .

الثامن : أنه لا يظن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر أصحابه بالفسخ الذي هو حرام ، ليعلمهم بذلك مباحا يمكن تعليمه بغير ارتكاب هذا المحظور ، وبأسهل منه بيانا ، وأوضح دلالة ، وأقل كلفة .

فإن قيل لم يكن الفسخ حين أمرهم به حراما . قيل : فهو إذا إما واجب أو مستحب .

وقد قال بكل واحد منهما طائفة ، فمن الذي حرمه بعد إيجابه أو استحبابه ، وأي نص أو إجماع رفع هذا الوجوب أو الاستحباب ، فهذه مطالبة لا محيص عنها .

التاسع : أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، لما سقت الهدي ، ولجعلتها عمرة " أفترى تجدد له - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك العلم بجواز العمرة في أشهر الحج ، حتى تأسف على فواتها ؟ هذا من أعظم المحال .

العاشر : أنه أمر بالفسخ إلى العمرة ، من كان أفرد ، ومن قرن ، ولم يسق الهدي .

ومعلوم : أن القارن قد اعتمر في أشهر الحج مع حجته ، فكيف يأمره بفسخ قرانه إلى عمرة ليبين له جواز العمرة في أشهر الحج ، وقد أتى بها ، وضم إليها الحج ؟ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث