الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم

( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ) .

قوله تعالى : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ) .

اعلم أن هذا تنبيه من الله تعالى لليهود المنكرين لوجوب الرجم ، وترغيب لهم في أن يكونوا كمتقدميهم من مسلمي أحبارهم والأنبياء المبعوثين إليهم ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فوجب حصول الفرق بين الهدى والنور ، فالهدى محمول على بيان الأحكام والشرائع والتكاليف ، والنور بيان للتوحيد والنبوة والمعاد .

قال الزجاج : ( فيها هدى ) أي بيان الحكم الذي جاءوا يستفتون فيه النبي صلى الله عليه وسلم ( ونور ) بيان أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حق .

المسألة الثانية : احتج القائلون بأن شرع من قبلنا لازم علينا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخا بهذه الآية ، وتقريره أنه تعالى قال : إن في التوراة هدى ونورا ، والمراد كونه هدى ونورا في أصول الشرع وفروعه ، ولو كان منسوخا غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيه هدى ونور ، ولا يمكن أن يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط لأنه ذكر الهدى والنور ، ولو كان المراد منهما معا هو ما يتعلق بأصول الدين لزم التكرار ، وأيضا إن هذه الآية إنما نزلت في مسألة الرجم ، فلا بد وأن تكون الأحكام الشرعية داخلة في الآية ; لأنا وإن اختلفنا في أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا ، لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلا فيها .

المسألة الثالثة : قوله ( يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ) يريد النبيين الذين كانوا بعد [ ص: 4 ] موسى ، وذلك أن الله تعالى بعث في بني إسرائيل ألوفا من الأنبياء ليس معهم كتاب ، إنما بعثهم بإقامة التوراة حتى يحدوا حدودها ويقوموا بفرائضها ويحلوا حلالها ويحرموا حرامها .

فإن قيل : كل نبي لا بد وأن يكون مسلما ، فما الفائدة في قوله : ( النبيون الذين أسلموا ) ؟ .

قلنا فيه وجوه :

الأول : المراد بقوله : ( أسلموا ) أي انقادوا لحكم التوراة ، فإن من الأنبياء من لم تكن شريعته شريعة التوراة ، والذين كانوا منقادين لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام .

الثاني : قال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي : يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا هو محمد عليه الصلاة والسلام ; وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم حكم على اليهوديين بالرجم ، وكان هذا حكم التوراة ، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له ، كقوله تعالى : ( إن إبراهيم كان أمة ) [ النحل : 120 ] ، وقوله : ( أم يحسدون الناس ) [ النساء : 45 ] وذلك لأنه كان قد اجتمع فيه من خصال الخير ما كان حاصلا لأكثر الأنبياء .

الثالث : قال ابن الأنباري : هذا رد على اليهود والنصارى ; لأن بعضهم كانوا يقولون : الأنبياء كلهم يهود أو نصارى ، فقال تعالى : ( يحكم بها النبيون الذين أسلموا ) يعني الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية ، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه .

الرابع : المراد بقوله : ( النبيون الذين أسلموا ) يعني الذين كان مقصودهم من الحكم بالتوراة الإيمان والإسلام وإظهار أحكام الله تعالى والانقياد لتكاليفه ، والغرض منه التنبيه على قبح طريقة هؤلاء اليهود المتأخرين ، فإن غرضهم من ادعاء الحكم بالتوراة أخذ الرشوة واستتباع العوام .

المسألة الرابعة : قوله ( للذين هادوا ) فيه وجهان :

الأول : المعنى أن النبيين إنما يحكمون بالتوراة للذين هادوا ، أي لأجلهم وفيما بينهم .

والثاني : يجوز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير على معنى : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا .

المسألة الخامسة : أما الربانيون فقد تقدم تفسيره ، وأما الأحبار فقال ابن عباس : هم الفقهاء ، واختلف أهل اللغة في واحده ، قال الفراء : إنما هو "حبر" بكسر الحاء ، يقال ذلك للعالم وإنما سمي بهذا الاسم لمكان الحبر الذي يكتب به ، وذلك أنه يكون صاحب كتب ، وكان أبو عبيدة يقول : حبر بفتح الحاء ، قال الليث : هو حبر وحبر بكسر الحاء وفتحها ، وقال الأصمعي : لا أدري أهو الحبر أو الحبر ، وأما اشتقاقه فقال قوم : أصله من التحبير وهو التحسين ، وفي الحديث : " يخرج رجل من النار ذهب حبره وسبره " أي جماله وبهاؤه ، والمحبر للشيء المزين ، ولما كان العلم أكمل أقسام الفضيلة والجمال والمنقبة لا جرم سمي العالم به .

وقال آخرون : اشتقاقه من الحبر الذي يكتب به ، وهو قول الفراء والكسائي وأبي عبيدة ، والله أعلم .

المسألة السادسة : دلت الآية على أنه يحكم بالتوراة النبيون والربانيون والأحبار ، وهذا يقتضي كون الربانيين أعلى حالا من الأحبار ، فثبت أن يكون الربانيون كالمجتهدين ، والأحبار كآحاد العلماء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث