الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام ) .

قوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : المراد بالصيد قولان ، الأول : أنه الذي توحش سواء كان مأكولا أو لم يكن ، فعلى هذا ، المحرم إذا قتل سبعا لا يؤكل لحمه ضمن ولا يجاوز به قيمة شاة ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال [ ص: 73 ] زفر : يجب بالغا ما بلغ .

والقول الثاني : أن الصيد هو ما يؤكل لحمه ، فعلى هذا لا يجب الضمان البتة في قتل السبع ، وهو قول الشافعي رحمه الله ، وسلم أبو حنيفة رحمه الله أنه لا يجب الضمان في قتل الفواسق الخمس وفي قتل الذئب ، حجة الشافعي رحمه الله القرآن والخبر ، أما القرآن فهو أن الذي يحرم أكله ليس بصيد ، فوجب أن لا يضمن ، إنما قلنا إنه ليس بصيد لأن الصيد ما يحل أكله لقوله تعالى بعد هذه الآية : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) فهذا يقتضي حل صيد البحر بالكلية وحل صيد البر خارج وقت الإحرام ، فثبت أن الصيد ما يحل أكله والسبع لا يحل أكله ، فوجب أن لا يكون صيدا ، وإذا ثبت أنه ليس بصيد وجب أن لا يكون مضمونا ، لأن الأصل عدم الضمان ، تركنا العمل به في ضمان الصيد بحكم هذه الآية ، فبقي فيما ليس بصيد على وفق الأصل ، وأما الخبر فهو الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام : " خمس فواسق لا جناح على المحرم أن يقتلهن في الحل والحرم : الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب العقور " وفي رواية أخرى : والسبع الضاري ، والاستدلال به من وجوه :

أحدها : أن قوله : والسبع الضاري ، نص في المسألة .

وثانيها : أنه عليه السلام وصفها بكونها فواسق ثم حكم بحل قتلها ، والحكم المذكور عقيب الوصف المناسب مشعر بكون الحكم معللا بذلك الوصف ، وهذا يدل على أن كونها فواسق علة لحل قتلها ، ولا معنى لكونها فواسق إلا كونها مؤذية ، وصفة الإيذاء في السباع أقوى فوجب جواز قتلها .

وثالثها : أن الشارع خصها بإباحة القتل ، وإنما خصها بهذا الحكم لاختصاصها بمزيد الإيذاء ، وصفة الإيذاء في السباع أتم ، فوجب القول بجواز قتلها ، وإذا ثبت جواز قتلها وجب أن لا تكون مضمونة لما بيناه في الدليل الأول .

حجة أبي حنيفة رحمه الله : أن السبع صيد فيدخل تحت قوله : ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) وإنما قلنا إنه صيد لقول الشاعر :


ليث تربى ربية فاصطيدا



ولقول علي عليه السلام :


صيد الملوك أرانب وثعالب     وإذا ركبت فصيدي الأبطال



والجواب : قد بينا بدلالة الآية أن ما يحرم أكله ليس بصيد ، وذلك لا يعارضه شعر مجهول ، وأما شعر علي عليه السلام فغير وارد ، لأن عندنا الثعلب حلال .

المسألة الثانية : (حرم) جمع حرام ، وفيه ثلاثة أقوال ، الأول : قيل : حرم ؛ أي محرمون بالحج ، وقيل : وقد دخلتم الحرم ، وقيل : هما مرادان بالآية ، وهل يدخل فيه المحرم بالعمرة ؟ فيه خلاف .

المسألة الثالثة : قوله : ( لا تقتلوا ) يفيد المنع من القتل ابتداء والمنع منه تسببا ، فليس له أن يتعرض إلى الصيد ما دام محرما لا بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطيور ، سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم ، وأما الحلال فله أن يتصيد في الحل وليس له أن يتصيد في الحرم ، وإذا قلنا : ( وأنتم حرم ) يتناول الأمرين ، أعني من كان محرما ومن كان داخلا في الحرم ، كانت الآية دالة على كل هذه الأحكام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث