الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 382 ] كتاب المفقود . ( إذا غاب الرجل فلم يعرف له موضع ولا يعلم أحي هو أم ميت نصب القاضي من يحفظ ماله ويقوم عليه ويستوفي حقه ) لأن القاضي نصب ناظرا لكل عاجز عن النظر لنفسه والمفقود بهذه الصفة ، وصار كالصبي والمجنون ، وفي نصب الحافظ لماله والقائم عليه نظر له ، وقوله : يستوفي حقه لإخفاء أنه يقبض غلاته ، والدين الذي أقر به غريم من غرمائه لأنه من باب الحفظ ويخاصم في دين وجب بعقده لأنه أصيل في حقوقه ، ولا يخاصم في الذي تولاه المفقود ولا في نصيب له في عقار أو عروض في يد رجل ، لأنه ليس بمالك ولا نائب عنه ، إنما هو وكيل بالقبض من جهة القاضي وأنه لا يملك الخصومة بلا خلاف ، إنما الخلاف في الوكيل بالقبض من جهة المالك في الدين ، وإذا كان كذلك يتضمن الحكم به قضاء على الغائب ، وأنه لا يجوز إلا إذا رآه القاضي وقضى به لأنه مجتهد فيه ، ثم ما كان يخاف عليه الفساد يبيعه القاضي لأنه تعذر عليه حفظ صورته ومعناه فينظر له بحفظ المعنى . ( ولا يبيع مالا يخاف عليه الفساد في نفقة ولا غيرها ) لأنه لا ولاية له على الغائب إلا في حفظ ماله فلا يسوغ له ترك حفظ الصورة وهو ممكن .

قال : ( وينفق على زوجته وأولاده من ماله ) وليس هذا الحكم مقصورا على الأولاد ، بل يعم جميع قرابة الأولاد ، والأصل أن كل من يستحق النفقة في ماله حال حضرته بغير قضاء القاضي ينفق عليه من ماله عند غيبته لأن القضاء حينئذ يكون إعانة ، وكل من لا يستحقها في حضرته إلا بالقضاء لا ينفق عليه من ماله في غيبته لأن النفقة حينئذ تجب بالقضاء ، والقضاء على الغائب ممتنع ; فمن الأول الأولاد الصغار والإناث من الكبار ، والزمنى من الذكور الكبار ; ومن الثاني الأخ والأخت والخال والخالة . [ ص: 383 ] وقوله : من ماله مراده الدراهم والدنانير لأن حقهم في المطعوم والملبوس ، فإذا لم يكن ذلك في ماله يحتاج إلى القضاء بالقيمة ، وهي النقدان ، والتبر بمنزلتهما في هذا الحكم لأنه يصلح قيمة كالمضروب ، وهذا إذا كانت في يد القاضي ، فإن كانت وديعة أو دينا ينفق عليهم منهما إذا كان المودع والمديون مقرين بالدين الوديعة والنكاح والنسب ، وهذا إذا لم يكونا ظاهرين عند القاضي . فإن كانا ظاهرين فلا حاجة إلى الإقرار ، وإن كان أحدهما ظاهر الوديعة والدين أو النكاح والنسب يشترط الإقرار بما ليس بظاهر ، هذا هو الصحيح ; فإن دفع المودع بنفسه أو من عليه الدين بغير أمر القاضي يضمن المودع ولا يبرأ المديون لأنه ما أدى إلى صاحب الحق ولا إلى نائبه ; بخلاف ما إذا دفع بأمر القاضي لأن القاضي نائب عنه ، وإن كان المودع والمديون جاحدين أصلا أو كانا جاحدين الزوجية والنسب لم ينتصب أحد من مستحقي النفقة خصما في ذلك لأن ما يدعيه للغائب لم يتعين سببا لثبوت حقه وهو النفقة لأنها كما تجب في هذا المال تجب في مال آخر للمفقود . قال : ( ولا يفرق بينه وبين امرأته ) وقال مالك : إذا مضى أربع سنين يفرق [ ص: 384 ] القاضي بينه وبين امرأته وتعتد عدة الوفاة ثم تتزوج من شاءت ، لأن عمر رضي الله عنه هكذا قضى في الذي استهواه الجن بالمدينة وكفى به إماما ، ولأنه منه حقها بالغيبة فيفرق القاضي بينهما بعد مضي مدة اعتبارا بالإيلاء والعنة ، وبعد هذا الاعتبار أخذ المقدار منهما الأربع من الإيلاء والسنين من العنة عملا بالشبهين . [ ص: 385 ] ولنا { قوله صلى الله عليه وسلم في امرأة المفقود : إنها امرأته حتى يأتيها البيان }. [ ص: 386 ] وقول علي رضي الله عنه فيها : هي امرأة ابتليت فلتصبر حتى يستبين موت أو طلاق ، خرج بيانا للبيان المذكور في المرفوع ، ولأن النكاح عرف ثبوته والغيبة لا توجب الفرقة والموت في حيز الاحتمال فلا يزال النكاح بالشك ، وعمر رضي الله عنه رجع إلى قول علي رضي الله عنه ، ولا معتبر بالإيلاء لأنه كان طلاقا معجلا ، فاعتبر في الشرع مؤجلا فكان موجبا للفرقة ، ولا بالعنة لأن الغيبة تعقب العودة ، والعنة قلما تنحل بعد استمرارها سنة . قال : ( وإذا تم له مائة وعشرون سنة من يوم ولد حكمنا بموته ) قال رضي الله عنه : وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة ، وفي ظاهر المذهب يقدر بموت الأقران ، وفي المروي عن أبي يوسف بمائة سنة ، وقدره بعضهم بتسعين ، والأقيس أن لا يقدر بشيء ، والأرفق أن يقدر بتسعين . وإذا حكم بموته اعتدت امرأته عدة الوفاة من ذلك الوقت ( ويقسم ماله بين ورثته الموجودين في ذلك الوقت ) كأنه مات في ذلك الوقت معاينة إذ الحكمي معتبر بالحقيقي ( ومن مات قبل ذلك لم يرث منه ) لأنه لم يحكم بموته فيها فصار كما إذا كانت حياته معلومة ( ولا يرث المفقود أحدا مات في حال فقده ) لأن بقاءه حيا في ذلك الوقت باستصحاب الحال وهو لا يصلح حجة في الاستحقاق ( وكذلك لو أوصى للمفقود ومات الموصي ) ثم الأصل أنه لو كان مع المفقود وارث لا يحجب به ، ولكنه ينتقص حقه به يعطى أقل النصيبين ، ويوقف الباقي ، وإن كان معه وارث يحجب به لا يعطى أصلا . [ ص: 387 ] بيانه : رجل مات عن ابنتين وابن مفقود وابن ابن وبنت ابن والمال في يد الأجنبي وتصادقوا على فقد الابن وطلبت الابنتان الميراث تعطيان النصف لأنه متيقن به ويوقف النصف الآخر ، ولا يعطى ولد الابن لأنهم يحجبون بالمفقود ولو كان حيا فلا يستحقون الميراث بالشك ( ولا ينزع من يد الأجنبي إلا إذا ظهرت منه خيانة ) ونظير هذا الحمل فإنه يوقف له ميراث ابن واحد على ما عليه الفتوى ، ولو كان معه وارث آخر إن كان لا يسقط بحال ولا يتغير بالحمل يعطى كل نصيبه ، وإن كان ممن يسقط بالحمل لا يعطى ، وإن كان ممن يتغير به يعطى الأقل للتيقن به كما في المفقود وقد شرحناه في كفاية المنتهى بأتم من هذا ، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب . .

[ ص: 381 - 382 ]

التالي السابق


[ ص: 381 - 382 ] كتاب المفقود [ ص: 383 ] قوله : وقال مالك رحمه الله : إذا تم له أربع سنين يفرق القاضي بينه وبين امرأته ، وتعتد عدة الوفاة . ثم تتزوج من شاءت ، لأن عمر رضي الله عنه هكذا فعل في الذي استهوته الجن بالمدينة ; قلت : رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه في كتاب النكاح " حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن يحيى بن جعدة أن رجلا انتسفته الجن على عهد عمر بن الخطاب ، فأتت امرأته عمر ، فأمرها أن تتربص أربع سنين ، ثم أمر وليه بعد أربع سنين أن يطلقها ، ثم أمرها أن تعتد ، فإذا انقضت عدتها تزوجت ، فإن جاء زوجها خير بين امرأته والصداق ، انتهى .

طريق آخر : رواه عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا سفيان الثوري عن يونس بن خباب عن مجاهد عن الفقيد الذي فقد ، قال : دخلت الشعب ، فاستهوتني الجن ، فمكثت أربع سنين ، ثم أتت امرأتي عمر بن الخطاب ، فأمرها أن تتربص أربع سنين من [ ص: 384 ] حين رفعت أمرها إليه ، ثم دعا وليه فطلقها ، ثم أمرها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا ، قال : ثم جئت بعد ما تزوجت ، فخيرني عمر بينها وبين الصداق الذي أصدقها انتهى .

طريق آخر : قال عبد الرزاق أيضا : أخبرنا معمر عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : فقدت امرأة زوجها ، فمكثت أربع سنين ، ثم ذكرت أمرها لعمر بن الخطاب ، فأمرها أن تتربص أربع سنين من حين رفعت أمرها إليه ، فإن جاء زوجها ، وإلا تزوجت ، فتزوجت بعد أن مضت السنوات الأربع ، ولم يسمع له بذكر ، ثم جاء زوجها بعد ، فقيل له : إن امرأتك تزوجت بعدك بأمر عمر ، فأتى عمر ، فقال له : أعدني على من غصبني أهلي ، وحال بيني وبينهم ، ففزع عمر له لذلك ، وقال : من أنت ؟ قال : أنا فلان ، ذهبت بي الجن ، فكنت أتيه في الأرض ، فجئت فوجدت امرأتي قد تزوجت ، زعموا أنك أمرتها بذلك ، فقال له عمر : إن شئت رددنا إليك امرأتك وإن شئت زوجناك غيرها ، قال : بل زوجني غيرها ، ثم جعل عمر يسأله عن الجن ، وهو يخبره انتهى .

طريق آخر : أخرجه الدارقطني في " سننه " عن عاصم الأحول عن أبي عثمان ، قال : أتت امرأة عمر بن الخطاب ، فقالت : استهوت الجن زوجها ، فأمرها أن تتربص أربع سنين ، ثم أمر ولي الذي استهوته الجن أن يطلقها ، ثم أمرها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا ، انتهى .

وفي الباب آثار أخرى : روى مالك في " الموطإ " عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ، قال : أيما امرأة فقدت زوجها ، فلم تدري أين هو ، فإنها تنتظر أربع سنين ، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا ، ثم تحل ، انتهى ورواه عبد الرزاق [ ص: 385 ] في " مصنفه " أخبرنا ابن جريج ثنا يحيى بن سعيد به ، وزاد : وتنكح إن بدا لها انتهى .

أثر آخر : رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، قالا في امرأة المفقود : تتربص أربع سنين ، وتعتد أربعة أشهر وعشرا انتهى .

أثر آخر : قال ابن أبي شيبة أيضا حدثنا عبدة بن سليمان عن سعيد عن جعفر بن أبي وحشية عن جابر بن زيد ، قال : تذاكر ابن عباس ، وابن عمر المفقود ، فقالا جميعا : تتربص امرأته أربع سنين ، ثم يطلقها ولي زوجها ، ثم تتربص أربعة أشهر وعشرا انتهى .

أثر آخر : قال ابن أبي شيبة أيضا : حدثنا غندر عن شعبة عن منصور ثنا مجاهد عن ابن أبي ليلى عن عمر بن الخطاب أنه قال في امرأة المفقود : تتربص أربع سنين ، ثم يطلقها ولي زوجها ، ثم تتربص أربعة أشهر وعشرا انتهى .

الحديث الأول : { قال عليه السلام في امرأة المفقود : هي امرأته حتى يأتيها البيان }; قلت : أخرجه الدارقطني في " سننه " عن سوار بن مصعب ثنا محمد بن شرحبيل الهمداني عن المغيرة بن شعبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان }انتهى .

ووجدته في نسخة أخرى : { حتى يأتيها الخبر } ، وهو حديث ضعيف ، قال ابن أبي حاتم في " كتاب العلل " : سألت أبي عن حديث رواه سوار بن مصعب عن محمد بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة ، قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة المفقود : هي امرأته حتى يأتيها البيان } ، فقال أبي : هذا حديث منكر ، ومحمد بن شرحبيل متروك الحديث ، يروي عن المغيرة مناكير أباطيل انتهى .

وذكره عبد الحق [ ص: 386 ] في " أحكامه " من جهة الدارقطني ، وأعله بمحمد بن شرحبيل ، وقال : إنه متروك ، قال ابن القطان في " كتابه " : وسوار بن مصعب أشهر في المتروكين منه ، ودونه صالح بن مالك ، ولا يعرف ، ودونه محمد بن الفضل ، ولا يعرف حاله انتهى .

قوله : عن علي رضي الله عنه في امرأة المفقود ، قال : هي امرأة ابتليت ، فلتصبر حتى يستبين موت أو طلاق ، قال المصنف : وعمر رجع إلى قول علي ; قلت : رواه [ ص: 387 ] عبد الرزاق في " مصنفه في كتاب الطلاق " أخبرنا محمد بن عبيد الله العرزمي عن الحكم بن عتيبة أن عليا قال في امرأة المفقود : هي امرأة ابتليت ، فلتصبر حتى يأتيها موت أو طلاق ، انتهى .

أخبرنا معمر عن ابن أبي ليلى عن الحكم أن عليا قال ، فذكره سواء ، أخبرنا سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن الحكم بن عتيبة عن علي ، قال : تتربص حنى تعلم أحي هو أم ميت انتهى .

أخبرنا ابن جريج ، قال : بلغني أن ابن مسعود وافق عليا على أنها تنتظره أبدا انتهى .

وأخرج ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن أبي قلابة ، وجابر بن زيد ، والشعبي ، والنخعي كلهم قالوا : ليس لها أن تتزوج حتى يتبين موته انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث