الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل لا تنعقد الشركة إلا بالدراهم والدنانير والفلوس النافقة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 393 ] فصل ( ولا تنعقد الشركة إلا بالدراهم والدنانير والفلوس النافقة ) وقال مالك رحمه الله : تجوز بالعروض والمكيل والموزون أيضا إذا كان الجنس واحدا ، لأنها عقدت على رأس مال معلوم فأشبه النقود بخلاف المضاربة لأن القياس يأباها لما فيها من ربح ما لم يضمن فيقتصر على مورد الشرع . ولنا أنه يؤدي إلى ربح ما لم يضمن لأنه إذا باع كل واحد منهما رأس ماله وتفاضل الثمنان ، فما يستحقه أحدهما من الزيادة في مال صاحبه ربح ما لم يملك ، وما لم يضمن بخلاف الدراهم والدنانير لأن ثمن ما يشتريه في ذمته ، إذ هي لا تتعين فكان ربح ما يضمن ، ولأن أول التصرف في العروض البيع وفي النقود الشراء وبيع أحدهما ماله على أن يكون الآخر شريكا في ثمنه لا يجوز ، وشراء أحدهما شيئا بماله على أن يكون المبيع بينه وبين غيره جائز ، وأما الفلوس النافقة فلأنها تروج رواج الأثمان فألحقت بها ، قالوا : هذا قول محمد رحمه الله ، لأنها ملحقة بالنقود عنده حتى لا تتعين بالتعيين ، ولا يجوز بيع اثنين بواحد بأعيانها على ما عرف ، أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما اللهفلا تجوز الشركة والمضاربة بها لأن ثمنيتها تتبدل ساعة فساعة وتصير سلعا ، وروي عن أبي يوسف رحمه الله مثل قول محمد رحمه الله والأول أقيس وأظهر ، وعن أبي حنيفة رحمه الله صحة المضاربة بها . قال : ( ولا تجوز الشركة بما سوى ذلك إلا أن يتعامل الناس بالتبر ) والنقرة فتصح الشركة بهما هكذا ذكر في الكتاب ( وفي الجامع الصغير : ولا تكون المفاوضة بمثاقيل ذهب أو فضة ) ومراده التبر ، فعلى هذه الرواية التبر سلعة تتعين بالتعيين فلا تصلح رأس المال في المضاربات والشركات . وذكر في كتاب الصرف أن النقرة لا تتعين بالتعيين حتى لا ينفسخ العقد بهلاكه قبل التسليم ، فعلى تلك الرواية تصلح رأس المال فيهما ، وهذا لما عرف أنهما خلقا [ ص: 394 ] ثمنين في الأصل إلا أن الأول أصح لأنها وإن خلقت للتجارة في الأصل لكن الثمنية تختص بالضرب المخصوص ، لأن عند ذلك لا تصرف إلى شيء آخر ظاهرا ، إلا أن يجري التعامل باستعمالهما ثمنا فينزل التعامل بمنزلة الضرب فيكون ثمنا ويصلح رأس المال ، ثم قوله : ولا تجوز بما سوى ذلك ، يتناول المكيل والموزون والعددي المتقارب ، ولا خلاف فيه بيننا قبل الخلط ولكل واحد منهما ربح متاعه وعليه وضيعته ، وإن خلطا ثم اشتركا فكذلك في قول أبي يوسف رحمه الله والشركة شركة ملك لا شركة عقد . وعند محمد رحمه الله تصح شركة العقد ، وثمرة الاختلاف تظهر عند التساوي في المالين واشتراط التفاضل في الربح ، فظاهر الرواية ما قاله أبو يوسف رحمه الله لأنه يتعين بالتعيين بعد الخلط كما تعين قبله . ولمحمد رحمه الله أنها ثمن من وجه حتى جاز البيع بها دينا في الذمة ومبيع من حيث إنه يتعين بالتعيين فعملنا بالشبهين بالإضافة إلى الحالين ، بخلاف العروض لأنها ليست ثمنا بحال ، ولو اختلفا جنسا كالحنطة والشعير والزيت والثمن فخلطا لا تنعقد الشركة بها بالاتفاق . والفرق لمحمد رحمه الله أن المخلوط من جنس واحد من ذوات الأمثال ومن جنسين من ذوات الأمثال ومن جنسين من ذوات القيم فتتمكن الجهالة كما في العروض ، وإذا لم تصح الشركة فحكم الخلط قد بيناه في كتاب القضاء . قال : ( وإذا أرادا الشركة بالعروض باع كل واحد منهما نصف ماله بنصف مال الآخر ثم عقدا الشركة ) . قال رضي الله عنه ( وهذه شركة ملك ) لما بينا أن العروض لا تصلح رأس مال الشركة ، وتأويله إذا كان قيمة متاعهما على السواء ، ولو كان بينهما تفاوت يبيع صاحب الأقل بقدر ما تثبت به الشركة . .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث