الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ) .

ثم قال تعالى : ( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) وفيه وجوه :

الأول : أنه بين بالآية الأولى أن تلك الأشياء التي سألوا عنها إن أبديت لهم ساءتهم ، ثم بين بهذه الآية أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، فكان حاصل الكلام أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، وإن أبديت لهم ساءتهم ، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرهم .

والوجه الثاني في تأويل الآية : أن السؤال على قسمين ، أحدهما : السؤال عن شيء لم يجز ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه ، فهذا السؤال منهي عنه بقوله : ( لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) .

والنوع الثاني من السؤال : السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فهاهنا [ ص: 89 ] السؤال واجب ، وهو المراد بقوله : ( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) والفائدة في ذكر هذا القسم أنه لما منع في الآية الأولى من السؤال أوهم أن جميع أنواع السؤال ممنوع منه ، فذكر ذلك تمييزا لهذا القسم عن ذلك القسم .

فإن قيل : قوله : ( وإن تسألوا عنها ) هذا الضمير عائد إلى الأشياء المذكورة في قوله : ( لا تسألوا عن أشياء ) فكيف يعقل في ( أشياء ) بأعيانها أن يكون السؤال عنها ممنوعا وجائزا معا ؟

قلنا : الجواب عنه من وجهين :

الأول : جائز أن يكون السؤال عنها ممنوعا قبل نزول القرآن بها ومأمورا به بعد نزول القرآن بها .

والثاني : أنهما وإن كانا نوعين مختلفين ، إلا أنهما في كون كل واحد منهما مسئولا عنه شيء واحد ، فلهذا الوجه حسن اتحاد الضمير وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين .

الوجه الثالث في تأويل الآية : أن قوله : ( لا تسألوا عن أشياء ) دل على سؤالاتهم عن تلك الأشياء ، فقوله : ( وإن تسألوا عنها ) أي وإن تسألوا عن تلك السؤالات حين ينزل القرآن يبين لكم أن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا ؟ والحاصل أن المراد من هذه الآية أنه يجب السؤال أولا ، وأنه هل يجوز السؤال عن كذا وكذا أم لا .

ثم قال تعالى : ( عفا الله عنها ) وفيه وجوه :

الأول : عفا الله عما سلف من مسائلكم وإغضابكم للرسول بسببها ، فلا تعودوا إلى مثلها .

الثاني : أنه تعالى ذكر أن تلك الأشياء التي سألوا عنها إن أبديت لهم ساءتهم ، فقال : ( عفا الله عنها ) يعني عما ظهر عند تلك السؤالات مما يسوءكم ويثقل ويشق في التكليف عليكم .

الثالث : في الآية تقديم وتأخير ، والتقدير : لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها في الآية ( إن تبد لكم تسؤكم ) وهذا ضعيف لأن الكلام إذا استقام من غير تغيير النظم لم يجز المصير إلى التقديم والتأخير ، وعلى هذا الوجه فقوله : ( عفا الله عنها ) أي أمسك عنها وكف عن ذكرها ولم يكلف فيها بشيء ، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام : " عفوت لكم عن صدقة الخيل ، والرقيق " أي خففت عنكم بإسقاطها .

ثم قال تعالى : ( والله غفور حليم ) وهذه الآية تدل على أن المراد من قوله : ( عفا الله عنها ) ما ذكرناه في الوجه الأول .

ثم قال تعالى : ( قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ) قال المفسرون : يعني قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها ، وقوم موسى قالوا : ( أرنا الله جهرة ) فصار ذلك وبالا عليهم ، وبنو إسرائيل ( قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ) قال تعالى : ( فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم ) و ( قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ) [البقرة : 247] فسألوها ثم كفروا بها ، وقوم عيسى سألوا المائدة ثم كفروا بها ، فكأنه تعالى يقول : أولئك سألوا فلما أعطوا سؤلهم ساءهم ذلك فلا تسألوا عن أشياء فلعلكم إن أعطيتم سؤلكم ساءكم ذلك . فإن قيل : إنه تعالى قال أولا : ( لا تسألوا عن أشياء ) ثم قال هاهنا : ( قد سألها قوم من قبلكم ) وكان الأولى أن يقول : قد سأل عنها قوم فما السبب في ذلك ؟

[ ص: 90 ] قلنا : الجواب من وجهين :

الأول : أن السؤال عن الشيء عبارة عن السؤال عن حالة من أحواله وصفة من صفاته ، وسؤال الشيء عبارة عن طلب ذلك الشيء في نفسه ، يقال : سألته درهما ؛ أي طلبت منه الدرهم ، ويقال : سألته عن الدرهم ؛ أي سألته عن صفة الدرهم وعن نعته ، فالمتقدمون إنما سألوا من الله إخراج الناقة من الصخرة ، وإنزال المائدة من السماء ، فهم سألوا نفس الشيء ، وأما أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فهم ما سألوا ذلك ، وإنما سألوا عن أحوال الأشياء وصفاتها ، فلما اختلف السؤالان في النوع اختلفت العبارة أيضا ، إلا أن كلا القسمين يشتركان في وصف واحد ، وهو أنه خوض في الفضول ، وشروع فيما لا حاجة إليه ، وفيه خطر المفسدة ، والشيء الذي لا يحتاج إليه ويكون فيه خطر المفسدة يجب على العاقل الاحتراز عنه ، فبين تعالى أن قوم محمد عليه السلام في السؤال عن أحوال الأشياء مشابهون لأولئك المتقدمين في سؤال تلك الأشياء في كون كل واحد منهما فضولا وخوضا فيما لا فائدة فيه .

والوجه الثاني في الجواب أن الهاء في قوله : ( قد سألها ) غير عائدة إلى الأشياء التي سألوا عنها ، بل عائدة إلى سؤالاتهم عن تلك الأشياء ، والتقدير : قد سأل تلك السؤالات الفاسدة التي ذكرتموها قوم من قبلكم ، فلما أجيبوا عنها أصبحوا بها كافرين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث