الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ) وسابعها : قوله تعالى : ( وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات ) وفيه مسألتان :

[ ص: 106 ] المسألة الأولى : قوله : ( إذ جئتهم بالبينات ) يحتمل أن يكون المراد منه هذه البينات التي تقدم ذكرها ، وعلى هذا التقدير فالألف واللام للعهد ، ويحتمل أن يكون المراد منه جنس البينات .

المسألة الثانية : روي أنه عليه الصلاة والسلام لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله تعالى منهم حيث رفعه إلى السماء .

ثم قال تعالى : ( فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ) وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي ( ساحر ) بالألف وكذلك في يونس وهود والصف ، وقرأ ابن عامر وعاصم في يونس بالألف فقط والباقون ( سحر ) فمن قرأ ( ساحر ) أشار إلى الرجل ومن قرأ ( سحر ) أشار به إلى ما جاء به ، وكلاهما حسن لأن كل واحد منهما قد تقدم ذكره . قال الواحدي رحمه الله : والاختيار ( سحر ) لجواز وقوعه على الحدث والشخص ، أما وقوعه على الحدث فظاهر وأما وقوعه على الشخص فتقول : هذا سحر ، وتريد به : ذو سحر ، كما قال تعالى : ( ولكن البر من آمن ) [البقرة : 177] أي ذا البر ، قال الشاعر :


فإنما هي إقبال وإدبار



المسألة الثانية : فإن قيل : إنه تعالى شرع هاهنا في تعديد نعمه على عيسى عليه السلام ، وقول الكفار في حقه : ( إن هذا إلا سحر مبين ) ليس من النعم ، فكيف ذكره هاهنا ؟

والجواب : أن من الأمثال المشهورة أن كل ذي نعمة محسود ، وطعن الكفار في عيسى عليه السلام بهذا الكلام يدل على أن نعم الله في حقه كانت عظيمة ، فحسن ذكره عند تعديد النعم للوجه الذي ذكرناه .

وثامنها : قوله تعالى : ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ) وقد تقدم تفسير الوحي ، فمن قال : إنهم كانوا أنبياء ، قال : ذلك الوحي هو الوحي الذي يوحى إلى الأنبياء ، ومن قال : إنهم ما كانوا أنبياء ، قال : المراد بذلك الوحي والإلهام والإلقاء في القلب ، كما في قوله تعالى : ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ) وقوله : ( وأوحى ربك إلى النحل ) [النحل : 68] وإنما ذكر هذا في معرض تعديد النعم لأن صيرورة الإنسان مقبول القول عند الناس محبوبا في قلوبهم من أعظم نعم الله على الإنسان ، وذكر تعالى أنه لما ألقى ذلك الوحي في قلوبهم آمنوا وأسلموا ، وإنما قدم ذكر الإيمان على الإسلام لأن الإيمان صفة القلب ، والإسلام عبارة عن الانقياد والخضوع في الظاهر ، يعني آمنوا بقلوبهم وانقادوا بظواهرهم .

فإن قيل : إنه تعالى قال في أول الآية : ( اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ) ثم إن جميع ما ذكره تعالى من النعم مختص بعيسى عليه السلام ، وليس لأمه بشيء منها تعلق .

قلنا : كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل على سبيل الضمن والتبع للأم ; ولذلك قال تعالى : ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية ) [ المؤمنون : 50 ] فجعلهما معا آية واحدة لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر ، وروي أنه تعالى لما قال لعيسى : ( اذكر نعمتي عليك ) كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئا لغد ويقول : مع كل يوم رزقه ، ومن لم يكن له بيت فيخرب ، ولا ولد فيموت ، أينما أمسى بات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث