الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم

( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين )

قوله تعالى : ( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين )

اعلم أن الله تعالى لما منعهم عن ذلك الإعراض والتكذيب والاستهزاء بالتهديد والوعيد أتبعه بما يجري مجرى الموعظة والنصيحة في هذا الباب فوعظهم بسائر القرون الماضية ، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وغيرهم .

فإن قيل : ما القرن ؟ قلنا : قال الواحدي : القرن القوم المقترنون في زمان من الدهر فالمدة التي يجتمع فيها قوم ثم يفترقون بالموت فهي قرن ؛ لأن الذين يأتون بعدهم أقوام آخرون اقترنوا فهم قرن آخر ، والدليل عليه قوله عليه السلام : خير القرون قرني واشتقاقه من الأقران ، ولما كان أعمار الناس في الأكثر الستين والسبعين والثمانين لا جرم قال بعضهم : القرن هو الستون ، وقال آخرون : هو السبعون ، وقال قوم : هو الثمانون والأقرب أنه غير مقدر بزمان معين لا يقع فيه زيادة ولا نقصان ، بل المراد أهل كل عصر فإذا انقضى منهم الأكثر قيل : قد انقضى القرن .

واعلم أن الله تعالى وصف القرون الماضية بثلاثة أنواع من الصفات :

الصفة الأولى : قوله : ( مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ) قال صاحب الكشاف : مكن له في الأرض جعل له مكانا ونحوه في أرض له ، ومنه قوله تعالى : ( إنا مكنا له في الأرض ) [ الكهف : 84 ] ، ( أولم نمكن لهم ) [ القصص : 57 ] ، وأما مكنته في الأرض ، فمعناه أثبته فيها ومنه قوله تعالى : ( ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ) [ الأحقاف : 26 ] ولتقارب المعنيين جمع الله بينهما في قوله : ( مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ) والمعنى : لم نعط أهل مكة مثل ما أعطينا عادا وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا .

والصفة الثانية : قوله : ( وأرسلنا السماء عليهم مدرارا ) يريد الغيث والمطر ، فالسماء معناه المطر ههنا ، والمدرار الكثير الدر ، وأصله من قولهم : در اللبن إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير فالمدرار يصلح أن [ ص: 132 ] يكون من نعت السحاب ، ويجوز أن يكون من نعت المطر يقال : سحاب مدرار إذا تتابع أمطاره ، ومفعال يجيء في نعت يراد المبالغة فيه ، قال مقاتل : ( مدرارا ) متتابعا مرة بعد أخرى ويستوي في المدرار المذكر والمؤنث .

والصفة الثالثة : قوله : ( وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ) والمراد منه كثرة البساتين .

واعلم أن المقصود من هذه الأوصاف أنهم وجدوا من منافع الدنيا أكثر مما وجده أهل مكة ، ثم بين تعالى أنهم مع مزيد العز في الدنيا بهذه الوجوه ، ومع كثرة العدد والبسطة في المال والجسم جرى عليهم عند الكفر ما سمعتم ، وهذا المعنى يوجب الاعتبار والانتباه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، بقي ههنا سؤالات :

السؤال الأول : ليس في هذا الكلام إلا أنهم هلكوا ، إلا أن هذا الهلاك غير مختص بهم بل الأنبياء والمؤمنون كلهم أيضا قد هلكوا فكيف يحسن إيراد هذا الكلام في معرض الزجر عن الكفر مع أنه مشترك فيه بين الكافر وبين غيره .

والجواب : ليس المقصود منه الزجر بمجرد الموت والهلاك ، بل المقصود أنهم باعوا الدين بالدنيا ففاتهم وبقوا في العذاب الشديد بسبب الحرمان عن الدين . وهذا المعنى غير مشترك فيه بين الكافر والمؤمن .

السؤال الثاني : كيف قال ( ألم يروا ) مع أن القوم ما كانوا مقرين بصدق محمد عليه السلام فيما يخبر عنه وهم أيضا ما شاهدوا وقائع الأمم السالفة ؟

والجواب : أن أقاصيص المتقدمين مشهورة بين الخلق فيبعد أن يقال : إنهم ما سمعوا هذه الحكايات ولمجرد سماعها يكفي في الاعتبار .

والسؤال الثالث : ما الفائدة في ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم ؟

والجواب : أن الفائدة هي التنبيه على أنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلكهم ويخلي بلادهم منهم ، فإنه قادر على أن ينشئ مكانهم قوما آخرين يعمر بهم بلادهم كقوله : ( ولا يخاف عقباها ) [ الشمس : 15 ] والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث