الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الاستثناء من نفي إثبات وبالعكس

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( وهو ) أي الاستثناء الصحيح ( من نفي ) أي من أشياء منفية ( إثبات ) للمستثنى ( وبالعكس ) أي والاستثناء من أشياء منفية نفي للمستثنى . فإذا قال : له علي عشرة إلا درهما ، كان ذلك إقرارا بتسعة . وإذا قال : ليس له علي شيء إلا درهما كان مقرا بدرهم . وعلى هذا قول الجمهور من أصحابنا والمالكية والشافعية . وخالف الحنفية في كون المستثنى من الإثبات نفيا ، ومن النفي إثبات . وقالوا : في قوله له : علي عشرة إلا درهما : أنه يلزمه تسعة ، لكن من حيث إن الدرهم المخرج منفي بالأصالة ، لا من حيث إن الاستثناء من الإثبات نفي ، ولا يوجبون في : ليس له علي شيء إلا درهما شيئا ، إذ المراد إلا درهما فإني لا أحكم عليه بشيء ، ولا إقرار إلا مع حكم ثابت واستدل لقول الجمهور باللغة وأن قول القائل " لا إله إلا الله " توحيد . وتبادر فهم كل من سمع قول القائل : لا عالم إلا زيد . وليس لك علي إلا درهم إلى علمه وإقراره . قالوا : لو كان للزم من قوله عليه الصلاة والسلام . { لا صلاة إلا بطهور ثبوتها بالطهارة . ومثله لا نكاح إلا بولي } و { لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء } رد . لا يلزم ; لأنه استثناء من غير الجنس . وإنما سيق لبيان اشتراط الطهور للصلاة ، ولا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط . وقال في الروضة : هذه صيغة الشرط . ومقتضاها نفيها عند نفيها . ووجودها عند وجودها ، ليس منطوقا ، بل من المفهوم ، فنفي شيء لانتفاء شيء لا يدل على إثباته عند وجوده ، بل يبقى كما قبل النطق ، بخلاف لا عالم إلا زيد . قال بعض أصحابنا : جعله المثبت من قاعدة المفهوم ليس بجيد .

وكذا جعله ابن عقيل في الفصول في قول أحمد : كل شيء يباع قبل قبضه إلا [ ص: 404 ] ما كان مأكولا . وقد احتج القاضي على أن النكاح لا يفسد بفساد المهر بقوله . صلى الله عليه وسلم . { لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل } قال : فاقتضى الظاهر صحته ، ولم يفرق .

قال أصحابنا : هذه دلالة صفة . فإن قيل : فيه إشكال سوى ذلك ، وهو أن المراد النفي الأعم ، أي لا صفة للصلاة معتبرة إلا صفة الطهارة . فنفى الصفات المعتبرة وأثبت الطهارة . قيل : المراد من نفيها المبالغة في إثبات تلك الصفة ، وأيضا أكدها .

والقول بأنه استثناء منقطع فلا إشكال : قول بعيد . لأنه مفرغ فهو من تمام الكلام . ومثله : ما زيد إلا قائم ونحوه ، قال البرماوي : من أدلة الجمهور : أن " لا إله إلا الله " لو لم يكن المستثنى فيه مثبتا لم يكن كافيا في الدخول في الإيمان ، ولكنه كاف باتفاق . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله } فجعل ذلك غاية المقاتلة . وقد أجابوا بأن الإثبات معلوم ، وإنما الكفار يزعمون الشركة . فنفيت الشركة بذلك ، أو أنه وإن كان لا يفيد الإثبات بالوضع اللغوي لكن يفيده بالوضع الشرعي . فإن المقصود نفي الشريك وهو مستلزم للثبوت . فإذا قلت : لا شريك لفلان في كرمه . اقتضى أن يكون كريما . وأيضا فالقرائن تقتضي الإثبات ; لأن كل متلفظ بها ظاهر قصده إثباته واحدا لا التعطيل . ورد ذلك بأن الحكم قد علق بها بمجردها .

فاقتضى ذلك أنها تدل بلفظها دون شيء زائد . قال ابن دقيق العيد في شرح الإلمام : كل هذا عندي تشغيب ومراوغات جدلية . والشرع خاطب الناس بهذه الكلمة ، وأمرهم بها لإثبات مقصود التوحيد . وحصل الفهم لذلك منهم من غير احتياج لأمر زائد ، ولو كان وضع اللفظ لا يقتضي ذلك ، لكان أهم المهمات : أن يعلمنا الشارع ما يقتضيه بالوضع من الاحتياج إلى أمر آخر . فإن ذلك هو المقصود الأعظم في الإسلام . انتهى . ومن أدلة الجمهور أيضا : قوله تعالى { فلن نزيدكم إلا عذابا } وهو ظاهر . وأما أدلة الحنفية ، فمن أعظمها : أنه لو كان كذلك للزم في قوله صلى الله عليه وسلم { لا صلاة إلا بطهور } أن من تطهر يكون مصليا ، أو تصح صلاته وإن فقد بقية الشروط . وجوابه : أن المستثنى مطلق يصدق [ ص: 405 ] بصورة ما لو توضأ وصلى . فيحصل الإثبات لا أنه عام ، حتى يكون كل متطهر مصليا . فهو استثناء شرط أي لا صلاة إلا بشرط الطهارة . ومعلوم : أن وجود الشرط لا يلزم منه وجود المشروط . وأيضا : فالمقصود المبالغة في هذا الشرط دون . سائر الشروط ; لأنه آكد . فكأنه لا شرط غيره ; لا أن المقصود : نفي جميع الصفات . وأيضا : فقد قيل : الاستثناء فيه منقطع . وليس الكلام فيه ، وضعفه ابن الحاجب ، على أن هذا الحديث بهذا اللفظ لا يعرف ، إنما المعروف { لا يقبل الله صلاة بغير طهور } أخرجه مسلم . لكن في ابن ماجه { لا تقبل صلاة إلا بطهور } ولو مثلوا بحديث { لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب } الثابت في الصحيحين لكان أجود ، ثم اعلم أن ما قاله الحنفية موافق لقول نحاة الكوفة . وما قاله الجمهور موافق لقول . سيبويه . وبقية البصريين . ومحل الخلاف في الاستثناء المتصل ; لأنه فيه إخراج . أما المنقطع فالظاهر : أن ما بعد " إلا " فيه محكوم عليه بضد الحكم السابق . فإن مساقه هو الحكم بذلك .

فنحو . قوله تعالى . " ما لهم به من علم إلا اتباع الظن " المراد : أن لهم به اتباع الظن لا العلم ، وإن لم يكن الظن داخلا في العلم . وقس عليه . وحيث تقرر أن الاستثناء من النفي إثبات ، ومن الإثبات نفي ترتب عليهما تعدد الاستثناء . واعلم أن للمسألة أحوالا . أحدها : نحو له علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدا . ولاستخراج الحكم من ذلك طرق . أحدها : طريقة الإخراج . وجبر الباقي بالاستثناء الثاني . فنقول : لما أخرج تسعة بالاستثناء الأول جبر ما بقي وهو واحد بالاستثناء الثاني . وهو ثمانية .

فصار تسعة ، ثم أخرج بالاستثناء الثالث سبعة . بقي اثنان ، فجبره بالرابع وهو ستة . فصار ثمانية ، ثم أخرج بالخامس خمسة . فبقي ثلاثة . فجبر بالسادس ، وهو أربعة . فصار سبعة ، ثم أخرج بالسابع ثلاثة . فبقي أربعة . فجبر بالثامن وهو اثنان . فصار الباقي ستة . وأخرج منه بالاستثناء التاسع واحدا . فصار المقر به خمسة . الطريقة الثانية : أن تحط الآخر مما يليه ، وهكذا إلى الأول فتحط واحدا [ ص: 406 ] من اثنين ، يبقى واحد ، تحطه من ثلاثة يبقى اثنان ، تحطهما من أربعة يبقى اثنان ، تحطهما من خمسة يبقى ثلاثة تحطهما من ستة يبقى ثلاثة ، تحطها من سبعة يبقى أربعة ، تحطها من ثمانية يبقى أربعة ، تحطها من تسعة يبقى خمسة ، تحطها من عشرة يبقى المقر به خمسة . الطريقة الثالثة : أن تجعل كل وتر من الاستثناءات خارجا وكل شفع مع الأصل داخلا في الحكم . فما اجتمع فهو الحاصل . فيسقط ما اجتمع من الخارج مما اجتمع من الداخل فهو الجواب . فالعشرة والثمانية والستة والأربعة والاثنان : ثلاثون . هي المخرج منها والتسعة والسبعة والخمسة والثلاثة والواحد خمسة وعشرون : هي المخرجة . يبقى خمسة . ولهم طرق غير ذلك يطول الكتاب بذكرها . واستثنى القرافي الشرط . فقال في شرح التنقيح : قول العلماء الاستثناء من النفي إثبات ، ليس على إطلاقه ، لأن الاستثناء يقع في الأحكام ، نحو قام القوم إلا زيدا . ومن الموانع ، نحو لا تسقط الصلاة عن المرأة إلا بالحيض ، ومن الشروط ، نحو لا صلاة إلا بطهور . فالاستثناء من الشروط مستثنى من كلام العلماء . فإنه لا يلزم من القضاء بالنفي لأجل عدم الشرط أن يقضي بالوجود لأجل وجود الشرط ، لما علم من أن الشرط لا يلزم من وجوده الوجود ولا العدم .

فقولهم : الاستثناء من النفي إثبات : مختص بما عدا الشرط ; لأنه لم يقل أحد من العلماء : إنه يلزم من وجود الشرط وجود المشروط . وبهذه القاعدة يحصل الجواب عن شبهة الحنفية ، فإن النقوض التي ألزمونا بها كلها من باب الشروط .

وهي ليست من صور النزاع فلا تلزمنا . انتهى

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث