الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الوظائف الواجبة على المتأول

فصل

في الوظائف الواجبة على المتأول

لما كان الأصل في اللفظ هو الحقيقة والظاهر كان العدول به عن حقيقته مخرجا له عن الأصل ، فاحتاج مدعي ذلك إلى دليل يسوغ له إخراجه عن أصله فعليه أربعة أمور لا تتم دعواه إلا بها :

الأمر الأول : بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي تأوله في ذلك التركيب الذي وقع فيه وإلا كان كاذبا على اللغة ، فإن اللفظ قد لا يحتمل ذلك المعنى لغة ، وإن احتمله فقد لا يحتمله في ذلك التركيب الخاص ، وكثير من المتأولين لا يبالي إذا تهيأ له حمل اللفظ على ذلك المعنى بأي طريق أمكنه إلى مقصوده دفع الصائل ، فبأي طريق تهيأ له دفعه دفعه ، فإن النصوص قد صالت على قواعده الباطلة ، وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله على كل ما ساغ في اللغة والاصطلاح لبعض الشعراء أو الخطباء والكتاب والعامة إلا إذا كان ذلك غير مخالف لما علم من وصف الرب سبحانه وأسمائه وما تضافرت به صفاته لنفسه وصفات رسوله ، وكانت إرادة ذلك المعنى بذلك اللفظ مما [ ص: 47 ] يجوز ويصلح لنسبتها إلى الله تعالى لا سيما والمتأول يخبر عن مراد الله ورسوله ، فإن تأويل كلام المتكلم بما يوافق ظاهره أو يخالفه إنما هو بيان لمراده .

فإذا علم المتكلم لم يرد هذا المعنى ، وأنه يمتنع أن يريده وأن في صفات كماله ونعوت جلاله ما يمنع من إرادته ، استحال الحكم عليه إرادته .

فهذا أصل عظيم يجب معرفته ، ومن أحاط به فعرفه تبين له أن كثيرا مما يدعيه المخرفون للتأويلات ، مما يعلم قطعا أن المتكلم لم يرده .

وإنما كان ذلك مما يسوغ لبعض الشعراء أو الكتاب القاصدين التعمية ، لغرض من الأغراض ، فلا بد أن يكون المعنى الذي تأوله المتأول مما يسوغ استعمال اللفظ فيه في تلك اللغة التي وقع بها التخاطب ، وأن يكون ذلك مما يجوز نسبته إلى الله تعالى ، وألا يعود على شيء من صفات كماله بالإبطال والتعطيل ، وأن يكون معه قرائن تحتف به تبين أنه مراد باللفظ ، وإلا كانت دعوى إرادته كذبا على المتكلم ، ونحن نذكر لك أمثلة :

المثال الأول : تأول قوله تعالى : ( خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ) بأنه أقبل على خلقه ، فهذا إنشاء منهم لوضع لفظ ( استوى ) على ( أقبل ) وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة ، فإنهم ذكروا معاني استوى ولم يذكر أحد منهم في معانيه الإقبال على الخلق ، فهذه كتب اللغة طبقت الأرض لا تجد أحدا منهم يحكي ذلك عن اللغة ، وأيضا فإن استواء الشيء والاستواء إلى والاستواء عليه يستلزم وجوده ووجود ما نسب إليه الاستواء بإلى أو بعلى ، فلا يقال : استوى إلى أمر معدوم ولا استوى عليه ، فهذا التأويل إنشاء محض لا إخبار صادق عن استعمال أهل اللغة .

وكذلك تأويلهم الاستواء بالاستيلاء فإن هذا لا تعرفه العرب من لغتها ولم يقله أحد من أئمة اللغة ، وقد صرح أئمة اللغة كابن الأعرابي وغيره بأنه لا يعرف في اللغة ، ولو احتمل ذلك لم يحتمله هذا التركيب ، فإن استيلاءه سبحانه وغلبته للعرش لم يتأخر عن خلق السماوات والأرض ، فالعرش مخلوق قبل خلقهما بأكثر من خمسين ألف سنة ، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه ، وبطلان هذا التأويل من أربعين وجها سنذكرها إن شاء الله في موضعها من هذا الكتاب .

[ ص: 48 ] فعلى المتأول أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي ذكره أولا ويبين تعيين المعنى ثانيا ، فإنه إذا خرج عن حقيقته قد يكون له عدة معان ، فتعيين ذلك يحتاج إلى دليل .

الثاني : إقامة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره ، فإن دليل المدعي للحقيقة والظاهر قائم فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل صارف يكون أقوى منه .

الثالث : الجواب عن المعارض ، فإن مدعي الحقيقة قد قام الدليل العقلي عنده على إرادة الحقيقة : أما السمعي فلا يمكنك المكابرة أنه معه ، وأما العقلي فمن وجهين : عام ، وخاص ، فالعام : الدليل الدال على كمال علم المتكلم وكمال بيانه وكمال نصحه ، والدليل العقلي على ذلك أقوى من الشبه الخيالية التي يستدل بها النفاة بكثير ، فإن جاز مخالفة هذا الدليل القاطع فمخالفة تلك الشبه الخيالية أولى بالجواز ، وإن لم يجز مخالفة تلك الشبه فامتناع مخالفة الدليل القاطع أولى ، وأما الخاص فكل صفة وصف الله تعالى بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم فهي صفة كمال قطعا ، فلا يجوز تعطيل صفات كماله وتأويلها بما يبطل حقائقها .

فالدليل العقلي الذي دل على ثبوت الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر ، دل نظيره على ثبوت الحكمة والرضى والرحمة والغضب والفرح والضحك ، والذي دل على أنه فاعل بمشيئته واختياره دل على قيام أفعاله به ، وذلك عين الكمال ، وكل صفة دل عليها الكتاب والسنة فهي صفة كمال ، والعقل جازم بإثبات صفات الكمال لله تعالى ، ويمتنع أن يصف نفسه أو يصفه رسوله بصفة توهم نقصا وهذا دليل أيضا أقوى من كل شبهة للنفاة .

يوضحه أن أدلة مباينة الرب لخلقه وعلوه على جميع مخلوقاته أدلة عقلية فطرية توجب العلم الضروري بمدلولها .

وأما السمعية فتقارب ألف دليل ، فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله ، وهيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك ، فنحن نطالبه بجواب صحيح عن دليل واحد وهو : أن الرب تعالى إما أن يكون له وجود خارج عن الذهن ثابت في الأعيان ، أو لا ؟ فإن لم يكن له وجود خارجي كان خيالا قائما بالذهن لا حقيقة له ، وهذا حقيقة قول المعطلة وإن تستروا بزخرف من القول ، وإن كان وجوده خارج الذهن فهو مباين له ، أو هو منفصل عنه ، إذ لو كان قائما به لكان عرضا من أعراضه ، وحينئذ فإما أن يكون [ ص: 49 ] هو هذا العالم ، أو غيره ، فإن كان هذا العالم فهذا تصريح بقول أصحاب وحدة الوجود ، وأنه ليس لهذا العالم إله مباين له ، منفصل عنه ، وهذا أكفر أقوال أهل الأرض ، فإن كان غيره ، فإما أن يكون قائما بنفسه ، أو قائما بالعالم ؟ فإن كان قائما بالعالم فهو جزء من أجزائه أو صفة من صفاته ، وليس هذا بقيوم السماوات والأرض ، وإن كان قائما بنفسه ، وقد علم أن العالم قائم بنفسه ، فذاتان قائمتان بأنفسهما ليست إحداهما داخلة في الأخرى ، ولا خارجة عنها ولا متصلة بها ولا منفصلة عنها ولا محايثة ولا مباينة ولا فوقها ولا تحتها ولا خلفها ولا أمامها ولا عن يمينها ولا عن شمالها ، كلام له خبء لا يخفى على عاقل منصف ، والبديهة الضرورية حاكمة باستحالة هذا بل باستحالة تصوره فضلا عن التصديق به .

قالوا : فنحن نطالبكم بجواب صحيح عن هذا الدليل الواحد من جملة ألف دليل ، ونعلم قبل المطالبة أن كل الجهميين على وجه الأرض لو اجتمعوا لما أجابوا عنه بغير المكابرة والتشنيع على أهل الإثبات بالتجسيم والسب ، هذه وظيفة كل مبطل قامت عليه حجة الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث