الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة إن سقط لم يجبر صاحب السفل على بنائه

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " فإن سقط لم يجبر صاحب السفل على بنائه " .

قال الماوردي : وهذا صحيح .

إذا انهدم البيت الذي سفله لرجل وعلوه لآخر ، فإنه لا يخلو حالهما من أربعة أحوال :

أحدها : أن يتفقا على تركه مهدوما فلا اعتراض عليهما فيه .

والثاني : أن يتفقا على بنائه فذلك لهما ، ويختص صاحب السفل ببناء السفل إلى انتهاء وضع الأجذاع ، وصاحب العلو ببناء العلو إلى حيث كان من غير أن يزيد عليه ، ولا لصاحب السفل أن يأخذه بالنقصان عنه ، فلو اختلفا مع اتفاقهما أن ارتفاع السفل والعلو عشرون ذراعا ، فقال صاحب السفل : السفل خمسة عشر ذراعا ، وارتفاع العلو خمسة أذرع ، [ ص: 400 ] وقال صاحب العلو : بل ارتفاع السفل خمسة أذرع وارتفاع العلو خمسة عشر ذراعا ، فقد اختلفا على أن لصاحب السفل خمسة أذرع لا نزاع فيها ولصاحب العلو خمسة أذرع لا نزاع فيها ، واختلفا في عشرة أذرع ادعاها كل واحد منهما وأيديهما معا عليها ، فوجب أن يتحالفا عليها ، ويجعل العشرة المختلف عليها بعد أيمانهما معا بينهما نصفان ، فيصير لصاحب السفل عشرة أذرع ، ولصاحب العلو عشرة أذرع ، ثم يشتركان في بناء السفل بعد أن يختص كل واحد منهما ببناء حقه ، إلا أن يكون السقف لأحدهما فيختص الذي هو له ببنائه دون غيره .

والحال الثالثة : أن يمتنع صاحب العلو من البناء ، ويدعو صاحب السفل إليه فله أن يختص ببناء سفله ، وليس له مطالبة صاحب العلو ببناء علوه : لأنه لا حق له في بنائه ، ويقدر على الانتفاع بحقه إلا أن يكون السقف بينهما ، فيكون على ما نذكره من القولين في إجبار الشريكين على المباناة .

والحال الرابعة : وهي مسألة الكتاب أن يمتنع صاحب السفل من بنائه ويدعو صاحب العلو إليه ليبني العلو عليه ففي إجباره قولان :

وهكذا الشريكان في حائط قد انهدم ، إذا دعي أحدهما إلى البناء وامتنع الآخر ، هل يجبر الممتنع منهما على البناء أم لا ؟ على قولين :

أحدهما وهو قوله في القديم وبه قال مالك : أنه يجبر الممتنع على البناء ليصل الآخر إلى حقه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : لا ضرر ولا ضرار ، من ضار أضر الله به ، ومن شاق شق الله عليه .

فلما نفى لحوق الإضرار دل على وجوب الإجبار ، ولما روي أن الضحاك بن خليفة أنبع ماء بالعريص وأراد أن يجريه إلى أرضه فلم يصل إليه إلا بعد إمراره على أرض محمد بن سلمة فامتنع محمد من ذلك ، وتخاصما إلى عمر رضي الله عنه ، فقال عمر لمحمد بن سلمة ليمرن به أو أمره على بطنك .

وروي أنه قضي على بعض الأنصار بمثل ذلك لعبد الرحمن بن عوف ، [ ص: 401 ] وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ذلك للزبير بن العوام على بعض الأنصار حتى قال الأنصاري : أن كان ابن عمتك فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم .

فلما جاء الخبر والأثر بمثل ما ذكرنا لزوال الضرر عن الجار دل على أن الضرر يزال بالإجبار .

ولأنه لما استحقت الشفعة لزوال الضرر بها ووجبت القسمة إذا دعي إليها أحد الشريكين لينتفي الإضرار معها كان وجوب المباناة مع ما فيها من تضاعف الضرر أولى .

والقول الثاني قاله في الجديد وهو الصحيح وبه قال أبو حنيفة أنه لا إجبار في ذلك ويترك كل واحد منهما إلى أن يختار البناء لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه " ولأنه لا يجبر على عمارة ملكه ولا عمارة ملك غيره في حال الانفراد فوجب أن لا يجبر على عمارته في حال الاشتراك كالزرع والغراس طردا وكنفقة البهائم عكسا .

ولأنه لا يخلو أن يكون الإجبار لمصلحة نفسه أو لمصلحة غيره ، وقد تقرر أنه لا يجبر على واحد منهما .

فأما الجواب عن قوله " لا ضرر ولا ضرار " فهو أنه ليس استعماله في نفي الضرر عن الطالب بإدخاله على المطلوب بأولى من نفيه عن المطلوب بإدخاله على الطالب ، إذ ليس يمكن نفيه عنهما ، فتناوب الأمران فيه فسقط الاستدلال بظاهره .

وأما حديث عمر فهو قضية في عين لا يجوز أن يستدل بعمومها ولعل إجراء المال قد كان مستحقا من قبل ؛ لأن الإجماع لا يلزم أحدا أن يجري ماء غيره على أرضه وكذلك حديث الزبير .

وأما استحقاق الشفعة لإزالة الضرر بها ، فلأنه لا يدخل على الغير إضرار بها ؛ لأنه قد يأخذ ما قدر وليس كذلك في العمارة والمباناة .

وأما القسمة فليست غرما ، وإنما هي لتمييز الملكين وإقرار الحقين ، والعمارة غرم محض فافترقا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث