الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 296 ] ( 5 ) باب بيع المكاتب

1508 - قال مالك : إن أحسن ما سمع في الرجل يشتري مكاتب الرجل ; أنه لا يبيعه إذا كاتبه بدنانير أو دراهم لا بعرض من العروض يعجله ولا يؤخره ; لأنه إذا أخره كان دينا بدين ، وقد نهي عن الكالئ بالكالئ .

قال : وإن كاتب المكاتب سيده بعرض من العروض ، من الإبل أو البقر أو الغنم أو الرقيق ، فإنه يصلح أن يشتريه بذهب أو فضة أو عرض مخالف للعروض التي كاتبه سيده عليها ، يعجل ذلك ولا يؤخره .

التالي السابق


34626 - قال أبو عمر : منع من ذلك لما يدخله من النسيئة في بيع دنانير ، أو دراهم بعضها ببعض ، لأن ما على المكاتب يؤخذ نجوما ، فلا يحل بيعه بالنقد ، ولا بالنسيئة ; لأنه صرف إلى أجل .

34627 - وكذلك لا يجوز شراء عرض على المكاتب بعرض غير معجل ; لأن النجوم مؤجلة ، فلو تأخر العرض كان من الدين بالدين .

34628 - وكذلك لا يجوز عند مالك بيع عرض بعرض من جنسه ; لأنه [ ص: 297 ] يدخله الربا من أجل أنه عرض بعرض مثله وزيادة .

34629 - وكذلك اختلف العلماء في بيع المكاتب .

34630 - فقال جمهور العلماء : لا يباع إلا على أن يمضي في كتابته عند مشتريه ، ولا يبطلها ، وهذا عندي بيع الكتابة لا بيع الرقبة .

34631 - وقالت طائفة : بيعه جائز ما لم يؤد من كتابته شيئا ; لأن بريرة بيعت ، ولم تكن أدت من كتابتها شيئا .

34632 - وقال آخرون : إذا رضي المكاتب بالبيع جاز لسيده بيعه .

34633 - هذا قول أبي الزناد ، وربيعة ، وهو قول الشافعي ، ومالك أيضا ، إلا أن مالكا اختلف في كيفية تعجيز المكاتب على ما نذكره بعد ، ولا يرى بيع رقبة المكاتب إلا بعد التعجيز .

34634 - وأما الشافعي ; فإذا رضي المكاتب بالبيع فهو منه رضى بالتعجيز ، وتعجيزه إليه لا إلى سيده ; لأن بريرة رضيت أن تباع ، وهي كانت المساومة لنفسها ، والمختلفة بين سادتها الذين كاتبوها ، وبين عائشة التي اشترتها .

34635 - وقال آخرون : لا يجوز أن تباع إلا للعتق ، فكذلك بيعت بريرة .

34636 - هذا قول الأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق .

[ ص: 298 ] 34637 - وقال آخرون : لا يجوز أن تباع حتى تعجز ، فإذا عجزت نفسها جاز بيعها ، وذكروا أن بريرة عجزت نفسها ، وللمكاتب عندهم أن يعجز نفسه كان له مال ظاهر أو لم يكن .

34638 - وسنذكر الاختلاف في ذلك بعد إن شاء الله تعالى .

34639 - وقال آخرون : لا يجوز بيع المكاتب ويجوز بيع كتابة المكاتب ، على أنه إن عجز فللذي اشترى كتابته رقبته ، وإن مات المكاتب ورثه دون البائع ، وإن أدى كتابته إلى الذي اشترى كان ولاؤه للبائع الذي عقد كتابته .

34640 - هذا قول مالك وأصحابه .

34641 - وقال آخرون : لا يجوز بيع المكاتب ; لما في ذلك من نقد العقد له ، وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود ، ولأنه يدخله بيع الولاء ، وكذلك لا يجوز بيع كتابته ، ولا بيع شيء مما بقي منها عليه ، والبيع في ذلك كله فاسد مردود ; لأن ذلك غرر لا يدرى العجز من المكاتب أم لا ، ولا يدري المشتري ما يحصل عليه بصفقته رقبة المكاتب أو كتابته ، وإن حصل على رقبته كان في ذلك بيع الولاء .

34642 - هذا كله قول أبي حنيفة وأصحابه .

34643 - وأما اختلافهم في تعجيز المكاتب ; فكان مالك يقول : لا يعجزه [ ص: 299 ] سيده إلا عند السلطان ، أو القاضي ، أو الحاكم .

34644 - وهو قول ابن أبي ليلى وبه قال سحنون .

34645 - وقال ابن القاسم : إذا رضي المكاتب بالعجز دون السلطات لزمه ذلك .

34646 - وقال ابن القاسم : ولا يجوز له أن يعجز نفسه إذا كانت له أموال ظاهرة ، فإن عجز ثم ظهرت له أموال مضى التعجيز ما لم يعلم بالمال .

34647 - وقال ابن كنانة ، وابن نافع : للمكاتب أن يعجز نفسه وإن كان له مال ظاهر .

34648 - وروى ابن وهب ، في ( ( موطئه ) ) ، عن مالك ، مثل قول ابن نافع ، وابن كنانة .

34649 - وهذه المسألة عند أصحابنا على قولين .

34650 - وقال الشافعي ، وأبو حنيفة : للمكاتب أن يعجز نفسه ، ويعجزه سيده عند غير السلطان إذا كانا في بلد واحد ، وحضرة واحدة ، وذلك بأن يقول المكاتب : ليس عندي شيء ، ويقول السيد : اشهدوا أني قد عجزته .

34651 - وفعل ذلك ابن عمر .

34652 - وقضى به شريح ، والشعبي .

[ ص: 300 ] 34653 - وقال الشعبي ، وأبو حنيفة : للسيد أن يعجز المكاتب بحلول نجم من نجومه .

34654 - قال الشافعي : لا يعجز السلطان المكاتب الغائب إلا أن يثبت عنده الكتابة وحلول نجم من نجومه ، ويحلفه ما أبرأه ، ولا قبضه منه ، ولا أنذره به ، فإذا فعل عجزه له ، ويجعل المكاتب على حجته إن كانت له .

34655 - قال : وأما إذا أراد المكاتب إبطال كتابته وادعى العجز ، فذلك إليه ، علم له مال أو لم يعلم ، وعلمت له قوة على الكسب أو لم تعلم ، هذا إليه ليس إلى سيده .

34656 - وقال أبو يوسف : لا يعجزه حتى يجتمع عليه نجمان .

34657 - وهو قول الحكم ، وابن أبي ليلى ، والحسن بن حي .

34658 - وقال الثوري : منهم من يقول : نجمان ، والاستثناء أحب إلي .

34659 - وقال أحمد : وكان أحب إلي .

34660 - وقال الحارث العكلي : إذا دخل نجم في نجم ، فقد استبان عجزه .

34661 - وقال الحسن البصري : إذا كانت نجومه مساقاة ، استسعى بعد النجم سنتين .

[ ص: 301 ] 34662 - وقال الأوزاعي : يستأنى به شهرين .

34663 - وقال محمد بن الحسن عنه وعن أصحابه : إن كان له مال حاضر أو غائب يرجو قدومه ، أجله يومين أو ثلاثة ، لا زيادة على ذلك .

34664 - وقال الأوزاعي : إذا قال : قد عجزت عن الأداء ، وعجز نفسه ، لم يمكن من ذلك .

34665 - قال أبو عمر : هذا ليس بشيء ; لأن كتابته مضمنة بالأداء ، فإذا لم يكن الأداء بإقراره بالعجز على نفسه انفسخت كتابته ، وكان هو وماله لسيده ، والأصل في الكتابة ; لأنها لا تجب عند من أوجبها إلا بابتغاء العبد لها ، وطلبه إياها ، وتعجيزه نفسه نقض لذلك .

34566 - وقد أجمعوا في ذلك أن المكاتب لعبده : إن جئتني بكذا وكذا دينار إلى أجل كذا ، فلم يجبه بها ، أنه لا يلزمه شيء .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث