الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 47 ] ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )

قوله تعالى : ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )

اعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وقبيح قولهم ، بين أنه يمهل هؤلاء الكفار ولا يعاجلهم بالعقوبة ، إظهارا للفضل والرحمة والكرم ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بقوله تعالى : ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ) من وجهين :

الأول : أنه قال ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ) فأضاف الظلم إلى كل الناس ، ولا شك أن الظلم من المعاصي ، فهذا يقتضي كون كل إنسان آتيا بالذنب والمعصية ، والأنبياء عليهم السلام من الناس ، فوجب كونهم آتين بالذنب والمعصية .

والثاني : أنه تعالى قال : ما ترك على ظهرها من دابة . وهذا يقتضي أن كل من كان على ظهر الأرض فهو آت بالظلم والذنب ، حتى يلزم من إفناء كل من كان ظالما إفناء كل الناس .

أما إذا قلنا : الأنبياء عليهم السلام لم يصدر عنهم ظلم فلا يجب إفناؤهم ، وحينئذ لا يلزم من إفناء كل الظالمين إفناء كل الناس ، وأن لا يبقى على ظهر الأرض دابة ، ولما لزم علمنا أن كل البشر ظالمون سواء كانوا من الأنبياء أو لم يكونوا كذلك .

والجواب : ثبت بالدليل أن كل الناس ليسوا ظالمين لأنه تعالى قال : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ) [ فاطر : 32 ] أي : فمن العباد من هو ظالم لنفسه ، ومنهم مقتصد ، ومنهم سابق ، ولو كان المقتصد والسابق ظالما لفسد ذلك التقسيم ، فعلمنا أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين ، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز أن يقال : كل الخلق ظالمون .

وإذا ثبت هذا فنقول : الناس المذكورون في قوله : ( ولو يؤاخذ الله الناس ) إما كل العصاة المستحقين للعقاب أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين ومن الذين أثبتوا لله البنات . وعلى هذا التقدير فيسقط الاستدلال . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث