الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب العاشر من بره وتوقيره صلى الله عليه وسلم بر آله وذريته وزوجاته ومواليه

الباب العاشر من بره وتوقيره- صلى الله عليه وسلم- بر آله وذريته وزوجاته ومواليه

قال تعالى : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا [الأحزاب 33] وقال تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى [الشورى 23] وقال تعالى : وأزواجه أمهاتهم [الأحزاب 6] .

روى مسلم عن زيد بن أرقم - رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال : أذكركم الله في أهل بيتي فقلنا لزيد : ومن أهل بيته ؟ قال : آل علي ، وآل جعفر ، وآل عقيل ، وآل عباس .

وروى الترمذي وحسنه عن زيد بن أرقم وجابر - رضي الله تعالى عنهما- أنه- عليه الصلاة والسلام- قال : «إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وأهل بيتي» .

لن تضلوا : أي : إن ائتمرتم بأوامر كتاب الله وانتهيتم بنواهيه واهتديتم بهدي أهل البيت واقتديتم بسيرهم «فانظروا كيف تخلفوني فيهما» .

وروى الترمذي عن عمر بن أبي سلمة ، ربيب النبي- صلى الله عليه وسلم- وابن أخيه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة أمة أبي لهب لما نزلت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا [الأحزاب 33] وذلك في بيت أم سلمة ، دعا فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره فجلله بكسائه ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» .

وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه- قال : دعا النبي- صلى الله عليه وسلم- عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ، قال : «اللهم هؤلاء أهلي» .

وروى الشيخان عن المسور بن مخرمة أنه- عليه الصلاة والسلام- قال : « فاطمة بضعة مني ، فمن أغضبها أغضبني» . [ ص: 445 ]

وقال صلى الله عليه وسلم : «من كنت مولاه» أي : وليه وناصره « فعلي مولاه» .

قال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى- : «يعني به ولاء الإسلام» .

وروى الإمام أحمد عن أبي أيوب الأنصاري أنه- عليه الصلاة والسلام- قال في علي - رضي الله تعالى عنه- : «اللهم وال من والاه» .

وروى مسلم عنه أنه- عليه الصلاة والسلام- قال له : «لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق» .

وروى ابن ماجه والترمذي وصححه أنه- عليه الصلاة والسلام- قال للعباس - رضي الله تعالى عنه- : «والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ورسوله» ، «ومن آذى عمي» يعني العباس «فقد آذاني ، وإنما عم الرجل صنو أبيه» .

وروى البيهقي عن أبي أسيد الساعدي - رضي الله تعالى عنه- قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- للعباس : «اغد علي يا عم مع ولدك من ذكور وإناث فجمعهم وجللهم بملاءته وقال : «اللهم هذا عمي صنو أبي وهؤلاء أهل بيتي ، فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه ، فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت فقالت : آمين ، آمين ، آمين .

وقال أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه- «ارقبوا محمدا » أي : احفظوه «في أهل بيته» .

وروى البخاري عنه أنه قال : «والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أحب إلي من أن أصل من قرابتي» .

وروى الترمذي وحسنه وابن ماجه عن يعلى بن مرة - رضي الله تعالى عنه- قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : « حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا » ، وفي رواية :

«حسنا»

وقال- صلى الله عليه وسلم- : «من أحبني ، وأحب هذين- وأشار إلى حسن وحسين - وأحب أباهما وأمهما ، كان معي في درجتي يوم القيامة» .

وروى البخاري عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها- قالت : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «لا تؤذوني في عائشة » . [ ص: 446 ]

وروى البخاري عن عقبة بن الحارث قال : «رأيت أبا بكر ، وحمل الحسن على عنقه وهو يقول :

بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي ، وعلي يضحك»
.

وروي عن عبد الله بن حسن بن حسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه- قال : «أتيت عمر بن عبد العزيز بن مروان في حاجة فقال : إذا كان لك حاجة فأرسل إلي ، [أو اكتب] فإني أستحيي من الله تعالى أن أراك على بابي» .

وروى الحاكم وصححه البيهقي في المدخل والطبراني عن الشعبي قال : إن زيد بن ثابت بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري كبر على جنازة أمه أربعا ثم قربت له بغلته ليركبها ، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه فقال زيد : خل عنه يا ابن عم رسول الله ، فقال : هكذا نفعل بالعلماء [الكبراء] ، فقبل زيد يد ابن عباس ، وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله .

ورأى ابن عمر محمد بن أسامة بن زيد بن حارثة فقال : ليت هذا عبدي . رواه البيهقي - بفتح العين المهملة وسكون الموحدة- .

ورواه الحافظ - بكسر العين وسكون النون- فقيل له : هو محمد بن أسامة فطأطأ ابن عمر رأسه ، ونفر بيده الأرض حياء من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال : لو رآه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأحبه كحب أبيه أسامة .

وحكى ابن عساكر في «تاريخ دمشق» عن الأوزاعي : أنه قال : دخلت بنت أسامة بن زيد صاحب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على عمر بن عبد العزيز حين ولايته على المدينة للوليد بن عبد الملك بن مروان أو في خلافته ، ومعها مولى لها يمسك بيدها ، فقام إليها عمر ومشى إليها حتى جعل يديها بين يديه ، ويداه في ثيابه ، ومشى بها حتى أجلسها على مجلسه [وجلس بين يديها] وما ترك لها حاجة إلا قضاها .

وروى الترمذي وحسنه لما فرض عمر - رضي الله تعالى عنه- لابنه عبد الله في ثلاثة آلاف ولأسامة في ثلاثة آلاف وخمس مائة ، فقال عبد الله لأبيه : لم فضلت أسامة علي فو الله ما سبقني إلى مشهد ، فقال له : لأن زيدا كان أحب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من أبيك وأسامة أحب إليه منك ، فآثرت حب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على حبي .

وروى ابن مالك بن أنس لما ضربه جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس يقول بعضهم : إنه لا يرى الأيمان ببيعتكم شيئا ، لأن يمين المكره لا تلزم ، فغضب جعفر ودعاه وجرده وضربه ونال منه ما نال ، وحمل إلى بيته مغشيا عليه ، دخل عليه الناس فأفاق فقال : [ ص: 447 ] أشهدكم على أني جعلت ضاربي في حل .

فسئل بعد ذلك فقال : خفت أن أموت فألقى النبي- صلى الله عليه وسلم- فأستحي منه أن يدخل بعض آله النار بسببي والله ما ارتفع منها سوط عن جسمي إلا جعلته في حل لقرابته لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال أبو بكر بن عياش- بمثناة تحتية وشين معجمة- ، ابن سالم (المقري ) أحد الأعلام- الأسدي : لو أتاني أبو بكر وعمر وعلي لبدأت بحاجة علي قبلهما ، لقرابته من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقدمه عليهما ، ولولا قرباه من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما قدمته عليهما ، لأفضليتهما عليه .

وروى أبو داود والترمذي وحسنه أنه قيل لابن عباس : ماتت فلانة لبعض أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم- فسجد فقيل له : أتسجد في هذه الساعة ؟ فقال : أليس قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا رأيتم آية فاسجدوا ، وأي آية أعظم من ذهاب أزواج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لفوات بركتهن ،

لأنهن كما قال الله تعالى : يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن [الأحزاب 32] وقد اتقين الله تعالى
.

وروى مسلم أن أبا بكر وعمر كانا يزوران أم أيمن مولاته- صلى الله عليه وسلم- تبركا بها وتأسيا به- صلى الله عليه وسلم- ويقولان : إنه- عليه الصلاة والسلام- كان يزورها .

وروى ابن سعد عن عمر بن سعد بن أبي وقاص مرسلا لما وردت حليمة السعدية - وفي سيرة «الدمياطي» : ابنتها الشيماء - على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فبسط لها رداءه ، وقضى حاجتها ، فلما توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وفدت على أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما- فصنعا بها مثل ذلك . [ ص: 448 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث