الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل

[ أكثر الحيل يناقض أصول الأئمة ]

وأكثر هذه الحيل لا تمشي على أصول الأئمة ، بل تناقضها أعظم مناقضة . وبيانه أن الشافعي رضي الله عنه يحرم مسألة مد عجوة ودرهم بمدين ودرهمين ، ويبالغ في تحريمها بكل طريق خوفا أن يتخذ حيلة على نوع ما من ربا الفضل ، فتحريمه للحيل الصريحة التي يتوصل بهما إلى ربا النساء أولى من تحريم مد عجوة بكثير ; فإن التحيل بمد ودرهم من الطرفين على ربا الفضل أخف من التحيل بالعينة على ربا النساء ، وأين مفسدة هذه من مفسدة تلك ؟

وأين حقيقة الربا في هذه من حقيقته في تلك ؟ وأبو حنيفة يحرم مسألة العينة ، وتحريمه لها يوجب تحريمه للحيلة في مسألة مد عجوة بأن يبيعه خمسة عشر درهما بعشرة في خرقة ; فالشافعي يبالغ في تحريم مسألة مد عجوة ويبيح العينة ، وأبو حنيفة يبالغ في تحريم العينة ويبيح مسائل مد عجوة ، ويتوسع فيها ، وأصل كل من الإمامين رضي الله عنهما في أحد البابين يستلزم إبطال الحيلة في الباب الآخر ، وهذا من أقوى التخريج على أصولهم ونصوصهم ، وكثير من الأقوال المخرجة دون هذا ; فقد ظهر أن الحيل المحرمة في الدين تقتضي رفع التحريم مع قيام موجبه ومقتضيه وإسقاط الوجوب مع قيام سببه ، وذلك حرام من وجوه :

أحدها : استلزامها فعل المحرم وترك الواجب .

والثاني : ما يتضمن من المكر والخداع والتلبيس ، والثالث : الإغراء بها والدلالة عليها وتعليمها من لا يحسنها .

والرابع : إضافتها إلى الشارع وأن أصول شرعه ودينه تقتضيها .

والخامس : أن صاحبها لا يتوب منها ولا يعدها ذنبا ، والسادس : أنه يخادع الله كما يخادع المخلوق ، والسابع : أنه [ ص: 149 ] يسلط أعداء الدين على القدح فيه وسوء الظن به وبمن شرعه ، والثامن : أنه يعمل فكره واجتهاده في نقض ما أبرمه الرسول وإبطال ما أوجبه وتحليل ما حرمه ، والتاسع : أنه إعانة ظاهرة على الإثم والعدوان ، وإنما اختلفت الطريق ; فهذا يعين عليه بحيلة ظاهرها صحيح مشروع يتوصل بها إليه ، وذاك يعين عليه بطريقه المفضية إليه بنفسها ، فكيف كان هذا معينا على الإثم والعدوان والمتحيل المخادع يعين على البر والتقوى ؟ العاشر : أن هذا ظلم في حق الله وحق رسوله وحق دينه وحق نفسه وحق العبد المعين وحقوق عموم المؤمنين ; فإنه يغري به ويعلمه ويدل عليه ، والمتوصل إليه بطريق المعصية لا يظلم إلا نفسه . ومن تعلق به ظلمه من المعينين فإنه لا يزعم أن ذلك دين وشرع ولا يقتدي به الناس ، فأين فساد أحدهما من الآخر وضرره من ضرره ؟ وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث