الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل يجوز أن يقال لنبي أو مجتهد احكم بما شئت فهو صواب

[ ص: 615 ] ( فصل : يجوز أن يقال لنبي أو مجتهد : احكم بما شئت فهو صواب ويكون ) ذلك ( مدركا شرعيا ويسمى : التفويض ) عند الأكثر ; لأن طريق معرفة الأحكام الشرعية : إما التبليغ عن الله - سبحانه وتعالى - بإخبار رسله عنه بها ، وهو ما سبق من كتاب الله سبحانه وتعالى وثبت بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما تفرع عن ذلك ، من إجماع وقياس وغيرهما من الاستدلالات ، وطرقها بالاجتهاد ، ولو من النبي صلى الله عليه وسلم . وإما أن يكون طريق معرفة الحكم : التفويض إلى رأي نبي أو عالم ، فيجوز أن يقال لنبي أو لمجتهد غير نبي : احكم بما شئت فهو صواب عند بعض العلماء ، ويؤخذ ذلك من كلام القاضي وابن عقيل ، وصرحا بجوازه للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقاله الشافعي وأكثر أصحابه ، وجمهور أهل الحديث ، فيكون حكمه من جملة المدارك الشرعية ، فإذا قال " هذا حلال " عرفنا أن الله سبحانه وتعالى في الأزل حكم بحله ، وكذا " هذا حرام " ونحو ذلك ، لا أنه ينشئ الحكم ; لأن ذلك من خصائص الربوبية ، قاله ابن الحاجب وتبعه ابن مفلح ، وتردد الشافعي ، أي في جوازه ، كما قال إمام الحرمين ، وقال : الجمهور في وقوعه ، ولكنه قاطع بجوازه ، والمنع : إنما هو منقول عن جمهور المعتزلة ، قاله ابن مفلح ، ومنعه السرخسي وجماعة من المعتزلة ; واختاره أبو الخطاب ، وذكره عن أكثر الفقهاء ، وأنه أشبه بمذهبنا ; لأن الحق عليه أمارة ، فكيف يحكم بغير طلبها ؟ وقيل : يجوز ذلك في النبي دون غيره ( و ) على القول بالجواز ( لم يقع ) في الأصح ، قال ابن الحاجب : المختار أنه لم يقع ، واحتج القاضي وابن عقيل وغيرهما للقول الأول : بقوله - سبحانه وتعالى - { إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } لأنه لا يمكن أن يحرم على نفسه إلا بتفويض الله سبحانه وتعالى الأمر إليه ، لا أنه بإبلاغه ذلك الحكم لتخصيص هذا التحريم بنسبته إليه ، وإلا فكل محرم فهو بتحريم الله سبحانه وتعالى ، إما بالتبليغ أو بالتفويض .

واستدل له أيضا بما في مسلم { فرض عليكم الحج ، فحجوا ، فقال رجل : أكل عام ؟ فقال : لو قلت : نعم ، لوجبت ، ولما استطعتم } ( و ) يجوز أن يقال ذلك ( لعامي عقلا ) أي جوازا من جهة العقل ; لأنه ليس بمحال ، لا من جهة الشرع إجماعا ( و ) يجوز ( في قول ) للقاضي [ ص: 616 ] وابن عقيل : أن يقال له ( وأخبر فإنك لا تخبر إلا بصواب ) ومنعه أبو الخطاب . قال في التمهيد : لو جاز ، خرج كون الإخبار عن الغيوب دالة على ثبوت الأنبياء وكلف بتصديق النبي وغيره من غير علمه بذلك ، قال ابن مفلح : كذا قال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث