الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( باب ترتيب الأدلة ، والتعادل ، والتعارض ، والترجيح ) اعلم أنه لما انتهى الكلام في مباحث أدلة الفقه المتفق عليها ، وكانت الأدلة المختلف فيها ربما تعارض منها دليلان باقتضاء حكمين متضادين ، وكان من موضوع نظر المجتهد وضروراته : ترجيح أحدهما ، احتيج إلى ذكر ما يحصل به معرفة الترتيب والتعادل والتعارض ، والترجيح ، وحكم كل منها . وذلك إنما يقوم به من هو أهل لذلك ، وهو المجتهد ، فلذلك قدم الموفق والآمدي وابن الحاجب وابن مفلح وغيرهم باب الاجتهاد على هذا الباب ، وإنما جاز دخول التعارض في أدلة الفقه لكونها ظنية . إذا تقرر هذا ف ( الترتيب ) هو ( جعل كل واحد من شيئين فأكثر في رتبته التي يستحقها ) أي يستحق جعله فيها بوجه من الوجوه . وأدلة الشرع : الكتاب والسنة والإجماع والقياس ونحوه .

( فيقدم ) من جميع ذلك ( إجماع ) على باقي الأدلة لوجهين . أحدهما : كونه قاطعا معصوما من الخطإ . الوجه الثاني : كونه آمنا من النسخ والتأويل ، بخلاف باقي الأدلة ، وهو أنواع . أحدها : الإجماع النطقي المتواتر ، وهو أعلاها ، ثم يليه الإجماع النطقي الثابت بالآحاد ، ثم يليه الإجماع السكوتي المتواتر ، ثم يليه الإجماع السكوتي الثابت بالآحاد ، فهذه الأنواع الأربعة كلها مقدمة على باقي الأدلة ثم ( سابق ) يعني أنه إذا نقل إجماعان متضادان ، فالمعمول به منهما : هو السابق من الإجماعين . فيقدم إجماع الصحابة على إجماع التابعين ، وإجماع التابعين على من بعدهم ، وهلم جرا ; لأن السابق دائما أقرب إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم المشهود له بالخيرية في قوله { خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم } فإن فرض في عصر واحد إجماعان ، فالثاني باطل ; لأن كل من اجتهد من المتأخرين فقوله باطل [ ص: 633 ] لمخالفته الإجماع السابق ، فإن كان أحد الإجماعين مختلفا فيه ، والآخر متفقا عليه ، فالمتفق عليه مقدم ، وكذلك ما كان الخلاف في كونه إجماعا أضعف .

فإنه يقدم على ما كان الخلاف في كونه إجماعا أقوى ، وإلى ذلك أشير بقوله ( ومتفق عليه أو أقوى ) قال ابن مفلح : وما اتفق عليه أو ضعف الخلاف فيه أولى . انتهى . وكذلك إجماع لم يسبقه اختلاف مقدم على إجماع سبق فيه اختلاف ثم وقع الإجماع . وقيل : عكسه ( وأعلاه ) أي الإجماع : إجماع ( متواتر نطقي ، فآحاد ) أي فالنطقي الثابت بالآحاد ( فسكوتي كذلك ) أي : فإجماع سكوتي متواتر ، فسكوتي ثابت بالآحاد . وتقدم معنى ذلك قريبا في الشرح ( فالكتاب ومتواتر السنة ) يعني أنه يلي الإجماع من حيث التقديم : القرآن ومتواتر السنة لقطعيتهما ، فيقدمان على باقي الأدلة ; لأنهما قاطعان من جهة المتن ، ولهذا جاز نسخ كل منهما بالآخر على الأصح ; لأن كلا منهما وحي من الله تعالى ، وإن افترقا من حيث إن القرآن نزل للإعجاز ، ففي الحقيقة هما سواء . وقيل : يقدم الكتاب ; لأنه أشرف ، وقيل : السنة لقوله تعالى " لتبين للناس ما نزل إليهم " أما المتواتران من السنة : فمتساويان قطعا ، ثم يلي ذلك في التقديم من باقي الأدلة ما أشير إليه بقوله ( فآحادها ) أي : آحاد السنة ( على مراتبها ) أي : مراتب الآحاد ، وأعلاها : الصحيح ، فيقدم على غيره ، ثم الحسن ، فيقدم على غيره ، ثم الضعيف . وهو أصناف كثيرة . وتتفاوت مراتب كل من الصحيح والحسن ، والضعيف ، فيقدم من كل من ذلك ما كان أقوى ( فقول صحابي ) يعني أنه يلي ضعيف آحاد السنة في التقديم : قول الصحابي ( فقياس ) بعد ذلك كله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث