الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك

( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون )

قوله تعالى ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون )

اعلم أن أول ما في هذه الآية من البحث أن الله تعالى قال قبل هذه الآيات : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون ) وذكر هاهنا ثانيا قوله تعالى : [ ص: 125 ] ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ) ثم ذكر ثالثا قوله : ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة ) فهل في هذا التكرار فائدة أم لا ؟ وللعلماء فيه أقوال .

أحدها : أن الأحوال ثلاثة .

أولها : أن يكون الإنسان في المسجد الحرام .

وثانيها : أن يخرج عن المسجد الحرام ويكون في البلد .

وثالثها : أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض ، فالآية الأولى محمولة على الحالة الأولى ، والثانية على الثانية ، والثالثة على الثالثة ؛ لأنه قد كان يتوهم أن للقرب حرمة لا تثبت فيها للعبد ، فلأجل إزالة هذا الوهم كرر الله تعالى هذه الآيات .

والجواب الثاني : أنه سبحانه إنما أعاد ذلك ثلاث مرات لأنه علق بها كل مرة فائدة زائدة ، أما في المرة الأولى فبين أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمر هذه القبلة حق ؛ لأنهم شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل ، وأما في المرة الثانية فبين أنه تعالى يشهد أن ذلك حق ، وشهادة الله بكونه حقا مغايرة لعلم أهل الكتاب بكونه حقا ، وأما في المرة الثالثة فبين أنه إنما فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة ، فلما اختلفت هذه الفوائد حسنت إعادتها لأجل أن يترتب في كل واحدة من المرات واحدة من هذه الفوائد ، ونظيره قوله تعالى : ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ) [ البقرة : 79 ] .

والجواب الثالث : أنه تعالى قال في الآية الأولى : ( فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) [ البقرة : 144 ] فكان ربما يخطر ببال جاهل أنه تعالى إنما فعل ذلك طلبا لرضا محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه قال : ( فلنولينك قبلة ترضاها ) فأزال الله تعالى هذا الوهم الفاسد بقوله : ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك ) أي : نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك ، بل لأجل أن هذا التحويل هو الحق الذي لا محيد عنه ، فاستقبالها ليس لأجل الهوى والميل كقبلة اليهود المنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والميل ، ثم إنه تعالى قال ثالثا : ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) والمراد دوموا على هذه القبلة في جميع الأزمنة والأوقات ، ولا تولوا فيصير ذلك التولي سببا للطعن في دينكم ، والحاصل أن الآية السالفة أمر بالدوام في جميع الأمكنة ، والثانية أمر بالدوام في جميع الأزمنة والأمكنة ، والثالثة أمر بالدوام في جميع الأزمنة وإشعار بأن هذا لا يصير منسوخا البتة .

والجواب الرابع : أن الأمر الأول مقرون بإكرامه إياهم بالقبلة التي كانوا يحبونها وهي قبلة أبيهم إبراهيم - عليه السلام - .

والثاني مقرون بقوله تعالى : ( ولكل وجهة هو موليها ) أي : لكل صاحب دعوة وملة قبلة يتوجه إليها فتوجهوا أنتم إلى أشرف الجهات التي يعلم الله تعالى أنها حق وذلك هو قوله : ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك ) . والثالث مقرون بقطع الله تعالى حجة من خاصمه من اليهود في أمر القبلة ، فكانت هذه عللا ثلاثا قرن بكل واحدة منها أمر بالتزام القبلة ، نظيره أن يقال : الزم هذه القبلة فإنها القبلة التي كنت تهواها ، ثم يقال : الزم هذه القبلة فإنها الحق لا قبلة الهوى ، وهو قوله : ( وإنه للحق من ربك ) ثم يقال : الزم هذه القبلة فإن في لزومك إياها انقطاع حجج اليهود عنك ، وهذا التكرار في هذا [ ص: 126 ] الموضع كالتكرار في قوله تعالى : ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) [ الرحمن : 13 ] وكذلك ما كرر في قوله تعالى : ( إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ) [ الشعراء : 121 ] .

والجواب الخامس : أن هذه الواقعة أول الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا ، فدعت الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير وإزالة الشبهة وإيضاح البينات .

أما قوله تعالى : ( وما الله بغافل عما تعملون ) يعني ما يعمله هؤلاء المعاندون الذين يكتمون الحق وهم يعرفونه ويدخلون الشبهة على العامة بقولهم : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) [ البقرة : 142 ] وبأنه قد اشتاق إلى مولده ودين آبائه ، فإن الله عالم بهذا ، فأنزل ما أبطله وكشف عن وهنه وضعفه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث