الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل في الاقتصاد في المصالح والخيور .

الاقتصاد رتبة بين رتبتين ، ومنزلة بين منزلتين ، والمنازل ثلاثة : التقصير في جلب المصالح ، والإسراف في جلبها ، والاقتصاد بينهما . قال الله تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } وقال : { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } وقال حذيفة : الحسنة بين السيئتين ، ومعناه أن التقصير سيئة ، والإسراف سيئة ، والحسنة ما توسط بين الإسراف والتقصير ، [ ص: 206 ] وخير الأمور أوسطها ، فلا يكلف الإنسان نفسه من الخيور والطاعات إلا ما يطيق المداومة عليه ولا يؤدي إلى الملالة والسآمة ، وقال عليه السلام في قيام الليل : { ليصل أحدكم نشاطه فإذا وجد كسلا أو فتورا فليقعد - أو قال فليرقد } - ومن تكلف من العبادة ما لا يطيقه ، فقد تسبب إلى تبغيض عبادة الله ، ومن قصر عما يطيقه ، فقد ضيع حظه مما ندبه الله إليه وحثه عليه ، قد { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التنطع في الدين وقد هلك المتنطعون } ، { وأنكر على عبد الله بن عمرو بن العاص التزامه قيام الليل ، وصيام النهار ، واجتناب النساء وقال له أرغبت عن سنتي ؟ فقال : بل سنتك أبغي ، قال : فإني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأنكح النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني } وقد نهى الله عثمان بن مظعون وأصحابه عما عزموا عليه : من سرد الصوم وقيام الليل والاختصاء ، وكانوا قد حرموا على أنفسهم الفطر والنوم ظنا أنه قربة إلى ربهم ، فنهاهم عن ذلك لأنه غلو في الدين واعتداء عما شرع فقال : { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } والتقدير ولا تحرموا تناول ما أحل الله لكم من الأكل والشرب والنوم والنكاح ولا تعتدوا بالاختصاء ، إن الله لا يحب المختصين ، أو لا يحب المعتدين بالاختصاء وغيره ، وقال بعض المفسرين ولا تعتدوا بما التزمتموه : أي ولا تعتدوا الاقتصاد إلى السرف ، وإنما عزموا على ذلك تحبيبا إلى الله عز وجل ، فأخبرهم أنه لا يحب من اعتدى حدوده ، وما رسمه من الاقتصاد في أمور الدين .

وللاقتصاد أمثلة : في استعمال مياه الطهارة فلا يستعمل من الماء إلا قدر الإسباغ ، ولا ينقص من ذلك عن المد في الوضوء والصاع في الغسل ، لأنه قد نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه { كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع } ، وللمتوضئ والمغتسل في ذلك ثلاثة أحوال : إحداها أن يكون [ ص: 207 ] معتدل الخلق كاعتدال خلق النبي صلى الله عليه وسلم فيقتدي به في اجتناب التنقيص عن المد والصاع .

الحال الثانية أن يكون ضئيلا لطيف الخلق بحيث يعادل جسده بعض جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستحب له أن يستعمل من الماء ما تكون نسبته إلى جسده كنسبة المد والصاع إلى جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الحال الثالثة أن يكون متفاحش الخلق في الطول والعرض وعظم البطن وفخامة الأعضاء فيستحب أن لا ينقص عن مقدار تكون نسبته إلى بدنه كنسبة المد والصاع إلى بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد جاء في الحديث { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مفردا ومثنيا ومثلثا ، وقال وهذا وضوئي ، ووضوء الأنبياء من قبلي ، ووضوء خليلي إبراهيم ، فمن زاد أو نقص فقد أساء وظلم } .

ولفظه في سنن أبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : { أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف الطهور ؟ فدعا بماء فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ، ثم غسل ذراعيه ثلاثا ، ثم مسح برأسه ، ثم أدخل إصبعيه السبابتين في أذنه ومسح إبهامه على ظاهر أذنيه وبالسبابتين باطن أذنيه ، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا ، ثم قال : هكذا الوضوء ; فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم - أو ظلم وأساء } - وأخرجه النسائي وابن ماجه ; ولا شك أن من نقص عن المرة فقد أساء ومن زاد على الثلاث فإن كان قاصدا للقربة بالزيادة على الثلاث فقد أساء لتقربه إلى الرب بما ليس بقربة ، وإن قصد به تبردا أو تنظفا بالماء الحار أو تداويا ، فإن لم يفرق بين أعضاء الوضوء فلا بأس بذلك وإن فرق بينها فقد أساء بتفريق الوضوء لا بمجرد الزيادة . [ ص: 208 ]

ومنها الاقتصاد في المواعظ : { كان صلى الله عليه وسلم يتحول أصحابه بالموعظة مخافة السآمة عليهم } ، والمواعظ إذا كثرت لم تؤثر في القلوب فيسقط بالإكثار فائدة الوعظ .

ومنها الاقتصاد في قيام الليل ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السرف فيه ، وقال : { خذوا من العمل ما تطيقون ، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا } .

ومنها الاقتصاد في العقوبات والحدود والتعزيرات فيعاقب كل واحد من الجناة على حسب قوته وضعفه ، وكذلك رجم الزناة لا يرجم بحصيات ولا بصخرات وإنما يضرب بحجر لطيف يرجم بمثله في العادة ، وكذلك الاقتصاد في الضرب لا يبالغ فيه إلى سفح الدم ، ولا يضرب ضربا لا أثر له في الزجر والردع ، بل يكون ضربه بين ضربين ، وكذلك يكون سوط الضرب بين سوطين ، ليس بحديد يقطع الجلود ولا ببال لا يحصل المقصود ، وكذلك الزمن يكون بين زمانين كزمني الربيع والخريف دون زمني الحر الشديد والبرد الشديد ، وهذا الاقتصاد في الضرب والسوط جار في ضرب الرقيق والصبيان والبهائم والنسوان عند التأديب والرياضة والنشوز .

ومنها الاقتصاد في الدعاء ، لأن الغالب على أدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة وغيرها اختيار الأدعية ، فنقل عنه صلى الله عليه وسلم دعوات مختصرات جامعات ، وعلة ذلك أن الله أمرنا بالتضرع والخفية في الدعاء ، ولا يحضر ذلك غالبا إلا بالتكلف ، وإذا أطال الدعاء عزب التضرع والإخفاء وذهب أدب الدعاء ، وقد استحب الشافعي أن يكون دعاء التشهد دون قدر التشهد .

ومنها الجهر بالكلام لا يخافت فيه بحيث لا يسمعه حاضروه ، ولا [ ص: 209 ] يرفعه فوق حد أسماعهم ، لأن رفعه فوق أسماعهم فضول لا حاجة إليه ، ولذلك شرع إخفاء الدعاء فإن الله يسمع الخفي كما يسمع الجلي ، فرفع الصوت في مناجاة الرب فضول لا حاجة إليه .

ومنها الأكل والشرب لا يتجاوز فيهما حد الشبع والري ، ولا يقتصر منهما على ما يضعفه ويضنيه ويقعده عن العبادات والتصرفات ، وقد قال تعالى : { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } وقال : { كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } .

ومنها إمكان السير إلى الحج والعمرة لا تزاد فيه شدة الإسراع المضنية للأجساد ولا التباطؤ الخارج عن المعتاد .

ومنها زيارة الإخوان لا يكثر منها بحيث يملونه ويستثقلونه ، ولا يقل منها بحيث يشتاقونه ويعتبونه .

ومنها مخالطة النساء لا يكثر بحيث تغلب عليه أخلاقهن ، ولا يقللها بحيث يتأذين بذلك .

ومنها دراسة العلوم لا يكثر منها بحيث يؤدي إلى السآمة والكراهة ، ولا يقللها بحيث يعد مقصرا فيها .

ومنها السؤال عما تدعوا الحاجة إليه إلى السؤال عنه من أمور الدنيا لا يكثر منه إلا لضرورة أو حاجة ماسة .

وكذلك المزاح والضحك واللعب .

وكذلك المدح المباح لا يكثر منه ولا يتقاعد عن اليسير منه عند مسيس [ ص: 210 ] الحاجة ترغيبا للممدوح في الإكثار مما مدح به أو تذكيرا له بنعمة الله عليه ليشكرها وليذكرها بشرط الأمن على الممدوح من الفتنة .

وكذلك الهجاء الذي تمس الحاجة إليه لا ينبغي أن يكثر منه إلا حيث أمر به في الشهادات والروايات والمشورات ، ولا تكاد تجد مداحا إلا رذلا ، ولا هجاء إلا نذلا ، إذ الأغلب على المداحين الهجائين الكذب والتغرير ، ومدحك نفسك أقبح من مدحك غيرك ، فإن غلط الإنسان في حق نفسه أكثر من غلطه في حق غيره ، فإن حبك الشيء يعمي ويصم ، ولا شيء أحب إلى الإنسان من نفسه ، ولذلك يرى عيوب غيره ولا يرى عيوب نفسه ، ويعذر به نفسه بما لا يعذر به غيره ، وقد قال تعالى : { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } وقال : { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء } . مبحث قد يمدح المرء نفسه إذا دعت الحاجة

ولا يمدح المرء نفسه إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك مثل أن يكون خاطبا إلى قوم فيرغبهم في نكاحه ، أو فيعرف أهليته الولايات الشرعية والمناصب الدينية ليقوم بما فرض الله عليه عينا أو كفاية كقول يوسف عليه السلام : { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } وقد يمدح المرء نفسه ليقتدى به فيما مدح به نفسه كقول عثمان رضي الله عنه ما تعنيت منذ أسلمت ، ولا تمنيت ، ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا مختص بالأقوياء الذين يأمنون التسميع ويقتدى بأمثالهم . [ ص: 211 ]

وعلى الجملة فالأولى بالمرء أن لا يأتي من أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة إلا بما فيه جلب مصلحة عاجلة أو آجلة أو درء مفسدة عاجلة أو آجلة ، مع الاقتصاد المتوسط بين الغلو والتقصير ، فلا يأتي في طهارته إلا بما يكمل طهارته ، لأن الزائد عليه عبث لا حاجة إليه .

وكذلك لا يرفع صوته في الكلام إلا بمقدار ما يبلغ سامعيه إلا أن يكون في وعظ أو زجر ، { فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب اشتد غضبه وعلا صوته حتى كأنه منذر جيش ، وكان يرفع صوته بالتلبية تذكيرا للناس بها حتى يلبوا } ، ولذلك شرع رفع الصوت في الأذان لكثرة السامعين وخفضه في الإقامة لقلة الحاضرين ، ولهذا المعنى قال ربنا عز وجل : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } أنه إذا سمع الدعاء الخفي فلا حاجة إلى رفع الصوت لأنه لا فائدة فيه ، ولذلك قال ربنا عز وجل : { إنه لا يحب المعتدين } فقال بعض المفسرين أراد الذين يعتدون برفع أصواتهم في الدعاء ، وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما رفعوا أصواتهم بالذكر : { أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا دون رءوس رحالكم } وقال آخرون لا يحب المعتدين في الدعاء ولا في غيره .

ونقل { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جهر في أدعية } ولكن كان جهره تعليما لأصحابه دون النوع من الدعاء ، والحاجة ماسة إلا التعليم فيكون للجاهر بذلك أجران

أحدهما : أجر الدعاء .

والثاني : أجر التعليم .

وكذلك الكلام لا ينبغي لك أن تتكلم إلا بما يجر مصلحة أو يدرأ مفسدة ، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم : { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت } فإن قيل فما تقولون في المزاح ؟ قلنا : إنما [ ص: 212 ] يجوز المزاح لما فيه من الاسترواح إما للمازح أو للممزوح معه وإما لهما .

وأما المزاح المؤذي المغير للقلوب الموجس للنفوس فإنه لا ينفك عن تحريم أو كراهة ، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح جبرا للممزوح معه وإيناسا وبسطا ، كقوله لأخي أنس بن مالك : { يا أبا عمير ما فعل النغير } وشرط المزاح المباح أن يكون بالصدق دون الكذب .

وأما ما يفعله الناس من أخذ المتاع على سبيل المزاح فهذا محظور لما فيه من ترويع صاحب المتاع وقد جاء في الحديث : { لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعبا جادا } جعله لاعبا من جهة أنه أخذه بنية رده ، جادا من جهة أنه روع أخاه المسلم بفقد متاعه ، وعلى الجملة فلا ينبغي لعاقل أن يخطر بقلبه ولا يجري على جوارحه إلا ما يوجب صلاحا أو يدرأ فسادا ، فإن سنح له غير ذلك فليدرأ ما استطاع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث