الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( فصل ) ( الحكم الشرعي ) في اصطلاح الفقهاء ( مدلول خطاب الشرع ) قال الإمام أحمد رضي الله عنه : الحكم الشرعي خطاب الشرع وقوله . قال في شرح التحرير : والظاهر أن الإمام أحمد أراد بزيادة وقوله " على " خطاب الشرع " التأكيد ، من باب عطف العام على الخاص ; لأن كل خطاب قول ، وليس كل قول خطابا .

انتهى . وشمل مدلول الخطاب الأحكام الخمسة ، والمعدوم حين الخطاب . ودل على أن الحكم صفة الحاكم ، فنحو قوله تعالى ( { أقم الصلاة } ) يسمى باعتبار [ ص: 105 ] النظر إلى نفسه التي هي صفة لله تعالى إيجابا ، ويسمى بالنظر إلى ما تعلق به ، وهو فعل مكلف : وجوبا . فهما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار . فترى العلماء تارة يعرفون الإيجاب ، وتارة يعرفون الوجوب نظرا إلى الاعتبارين . وقال كثير من العلماء : إن الحكم الشرعي خطابه المتعلق بفعل المكلف ، وهو قريب من الأول ، إلا أن هذا أصرح وأخص ، فخطاب جنس ، وهو مصدر خاطب ، لكن المراد هنا المخاطب به ، لا معنى المصدر الذي هو توجيه الكلام لمخاطب . فهو من إطلاق المصدر على اسم المفعول . وخرج خطاب غير الشارع ; إذ لا حكم إلا للشارع . وخرج بقوله " المتعلق بفعل المكلف " خمسة أشياء : الخطاب المتعلق بذات الله وصفته وفعله . وبذات المكلفين والجماد .

فالأول : ما تعلق بذاته ، نحو قوله تعالى ( { شهد الله أنه لا إله إلا هو } ) والثاني : ما تعلق بصفته ، نحو قوله تعالى ( { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ) الثالث : ما تعلق بفعله ، نحو قوله تعالى ( { الله خالق كل شيء } ) الرابع : ما تعلق بذات المكلفين ، نحو قوله تعالى ( { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } ) وقوله تعالى ( { خلقكم من نفس واحدة } ) الخامس : ما تعلق بالجماد . نحو قوله تعالى ( { ويوم نسير الجبال } ) ونحوها . والمراد بالتعلق الذي من شأنه أن يتعلق من باب تسمية الشيء بما يئول إليه ، وإلا فيلزم أنه قبل التعلق لا يكون حكما ; إذ التعلق حادث عند الرازي وأتباعه . فيكون مجازا . ولا يضر وقوعه في التعريف إذا دلت عليه القرائن عند الغزالي ، والقرافي .

وإن قيل : إن التعلق قديم ، واختاره الرازي في القياس والسبكي ، أو قلنا : له اعتباران قبل وجوب التكليف وبعده . كما قاله جمع منهم ، فلا مجاز في التعريف ، والمراد بفعل المكلف الأعم من القول والاعتقاد ، لتدخل عقائد الدين والنيات في العبادات ، والمقصود عند اعتبارها ونحو ذلك . وقلنا " المكلف بالإفراد " ليشمل ما يتعلق بفعل الواحد ، كخصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، وكالحكم بشهادة خزيمة ، وإجزاء العناق في الأضحية لأبي بردة وقد ثبت ذلك لزيد بن خالد الجهني ، وعقبة بن عامر الجهني . ذكره في [ ص: 106 ] حياة الحيوان ، والبرماوي . والمراد بالمكلف : البالغ العاقل الذكر ، غير الملجأ ، لا من تعلق به التكليف ، وإلا لزم الدور . إذ لا يكون مكلفا حتى يتعلق به التكليف ، ولا يتعلق التكليف إلا بمكلف .

( والخطاب قول يفهم منه من سمعه شيئا مفيدا مطلقا ) فالقول : احترز به عن الإشارات والحركات المفهمة . وخرج بقيد " الفهم " من لا يفهم ، كالصغير والمجنون ; إذ لا يتوجه إليه خطاب . وقوله " من سمعه " ليعم المواجهة بالخطاب وغيره ، وليخرج النائم والمغمى عليه ونحوهما . وخرج بقوله " مفيدا " المهمل ، وقوله " مطلقا " ليعم حالة قصد إفهام السامع وعدمها . وقيل : لا بد من قصد إفهامه . فعليه حيث لم يقصد إفهامه لا يسمى خطابا ( ويسمى به ) أي الخطاب ( الكلام في الأزل ) ( في قول ) ذهب إليه الأشعري والقشيري .

والذي ذهب إليه القاضي أبو بكر الباقلاني والآمدي : أنه لا يسمى خطابا ، لعدم المخاطب حينئذ ، بخلاف تسميته في الأزل أمرا ونهيا ونحوهما ; لأن مثله يقوم بذات المتكلم بدون من يتعلق به ، كما يقال في الموصي : أمر في وصيته ونهى ( ثم إن ) ( ورد ) خطاب الشرع ( بطلب فعل مع جزم ) أي قطع مقتض للوعيد على الترك ( فإيجاب ) على المكلف . نحو : قوله تعالى { أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ( أو ) ورد بطلب فعل ( لا معه ) أي ليس معه جزم ( فندب ) نحو قوله تعالى ( { وأشهدوا إذا تبايعتم } ) وقوله تعالى ( { فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم } ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم { استاكوا } ( أو ) ورد خطاب بالشرع ( بطلب ترك معه ) أي مع جزم ، أي قطع مقتض للوعيد على الفعل ( فتحريم ) نحو قوله تعالى ( { لا تأكلوا الربا } ) وقوله تعالى ( { ولا تقربوا الزنا } ) . ( أو ) ورد بطلب ترك ( لا معه ) أي ليس معه جزم ( فكراهة ) كقوله صلى الله عليه وسلم { إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ، ثم خرج عامدا إلى المسجد : فلا يشبك بين أصابعه ; فإنه في صلاة } رواه الترمذي وابن ماجه .

( أو ) ورد خطاب الشرع ( بتخيير ) بين الفعل والترك - ( فإباحة ) { كقوله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الوضوء من لحوم الغنم إن شئت فتوضأ ، وإن شئت فلا تتوضأ } ( وإلا ) [ ص: 107 ] أي وإن لم يرد خطاب الشرع بشيء من هذه الصيغ الخمسة المتقدمة ، وورد بنحو صحة ، أو فساد ، أو نصب الشيء سببا ، أو مانعا أو شرطا ، أو كون الفعل أداء أو قضاء ، أو رخصة أو عزيمة ( فوضعي ) أي فيسمى خطاب الوضع ، ويسمى الأول خطاب التكليف ، ولا تتقيد استفادة الأحكام من صريح الأمر والنهي ، بل تكون بنص أو إجماع أو قياس . والنص إما أن يكون أمرا ، أو نهيا ، أو إذنا ، أو خبرا بمعناها ، أو إخبارا بالحكم ، نحو قوله تعالى ( { كتب عليكم الصيام } ) وقوله تعالى ( { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } ) ، [ وقوله صلى الله عليه وسلم ] { إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم } وقوله تعالى ( { أحل لكم صيد البحر } ) أو بذكر خاصة لأحد الأحكام ، كوعيد على فعل شيء أو تركه أو وعد على فعل شيء أو تركه أو نحو ذلك . وقد يجتمع خطاب التكليف وخطاب الوضع في شيء واحد ، كالزنا ، فإنه حرام ، وسبب للحد . وقد ينفرد خطاب الوضع ، كأوقات العبادات وكون الحيض مانعا من الصلاة والصوم ونحوهما . وكون البلوغ شرطا للتكليف ، وحولان الحول شرطا لوجوب الزكاة . وأما انفراد خطاب التكليف : فقال في شرح التنقيح : لا يتصور ، إذ لا تكليف إلا له سبب ، أو شرط أو مانع قال الطوفي في شرحه : هو أشبه بالصواب .

قال في شرح التحرير : وهو كما قال . ( و ) الشيء ( المشكوك ليس بحكم ) وهو الصحيح . قاله ابن عقيل . والشاك لا مذهب له والواقف له مذهب ; لأنه يفتي به ويدعو إليه . قال في شرح التحرير : وهذا المعمول به عند العلماء . وقيل : لا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث