الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( كتاب الحدود وهي جمع حد وهو ) لغة المنع وحدود الله تعالى محارمه لقوله تعالى : { تلك حدود الله فلا تقربوها } وما حده وقدره فلا يجوز أن يتعدى كتزويج الأربع وما حده الشرع فلا تجوز فيه الزيادة والنقصان والحدود بمعنى العقوبات المقدرة يجوز أن تكون سميت بذلك من المنع لأنها تمنع من الوقوع في مثل ذلك الذنب وأن تكون سميت بالحدود التي هي المحارم لكونها زواجر عنها أو بالحدود التي هي المقدرات والحد ( شرعا عقوبة مقدرة لتمنع من الوقوع في مثله ) أي مثل الذنب الذي شرع له ( وتجب إقامته ) أي الحد ( ولو كان من يقيمه ) من إمام أو نائبه أو سيد ( شريكا لمن يقيمه ) أي الحد ( عليه ) في تلك ( المعصية ) أو كان من يقيمه ( عونا له ) أي لمن يقيمه عليه في تلك المعصية لأن مشاركته أو إعانته له معصية وعدم إقامته معصية فلا يجمع بين معصيتين .

( وكذلك [ ص: 78 ] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) لا يسقط بالمشاركة أو الإعانة على المعصية بل عليه أن يأمر وينهى ( فلا يجمع بين معصيتين ) بل يجب عليه الإقلاع عنهما ( ولا يجب الحد إلا على مكلف ) لحديث : { رفع القلم عن ثلاثة } ولأن غير المكلف إذا أسقط عنه التكليف في العبادات والإثم في المعاصي فالحد المبني على الدرء بالشبهات أولى ( ملتزم ) أحكام المسلمين فيخرج الحربي والمستأمن ويدخل فيه الذمي وتقدم في الهدنة أن المعاهد يؤخذ بحد آدمي لا حد لله ( عالم بالتحريم ) لقول عمر وعثمان وعلي لا حد إلا على من علمه فلا حد على من زنى جاهلا بتحريمه أو عين المرأة التي زنى بها بأن اشتبهت عليه بزوجته أو أمته .

( فإن زنى المجنون في إفاقته ) فعليه الحد لأنه مكلف ( أو أقر في إفاقته أنه زنى في إفاقته فعليه الحد ) قال في المبدع بغير خلاف نعلمه قال ( فإن أقر في إفاقته ) أنه زنى ( ولم يضفه إلى حال ) إفاقة ولا جنون ( أو شهدت عليه البينة بالزنا ولم تضفه إلى إفاقته فلا حد ) عليه للاحتمال والحدود تدرأ بالشبهات ( ولو استدخلت ذكر نائم أو زنى بها ) الرجل ( وهي نائمة فلا حد على النائم منهما ) لحديث { رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ } رواه أبو داود والترمذي وحسنه ( وإن جهل ) الزاني ( تحريم الزنا ومثله يجهله أو ) جهل ( تحريم عين المرأة مثل أن يزف إليه ) امرأة ( غير امرأته فيظنها امرأته أو تدفع إليه معارية فيظن أنها جاريته فيطؤها فلا حد عليه ) وذلك لحديث : { ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم } .

( ويأتي في الباب بعده ولا يجوز أن يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه ) لأنه حق الله تعالى ويفتقر إلى اجتهاد ولا يؤمن معه الحيف فوجب تفويضه إلى نائب الله في خلقه ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحدود في حياته وكذلك خلفاؤه بعده ( لكن لو أقامه ) أي الحد ( غيره ) أي غير الإمام ونائبه ( لم يضمنه نصا فيما حده الإتلاف ) كرجم الزاني المحصن وقتل المرتد والقاتل في المحاربة لأنه غير معصوم كما تقدم ويعزر لافتياته على الإمام قلت لو قطع إنسان يد السارق اليمنى هل يدخل في ذلك ؟ لم أقف والمتبادر تناول العبارة له ( إلا السيد الحر ) خرج المكاتب ( المكلف العالم به ) أي بالحد دون الجاهل به ( وبشروطه ) أي الحد ( ولو ) كان السيد ( فاسقا أو امرأة فله إقامة الحد بالجلد فقط على رقيقه ) لحديث أبي هريرة مرفوعا قال : { إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها } متفق عليه .

[ ص: 79 ] وعن علي مرفوعا : { أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم } رواه أحمد وأبو داود والدارقطني ( ولو ) كان الرقيق ( مكاتبا ) أي فلسيده إقامة الحد عليه في أحد الوجهين قال في الإنصاف وهو المذهب قدمه في الفروع وقال في تصحيح الفروع ولم أعلم له متابعا عليه والقول بأنه لا يقيمه عليه هو الصحيح اختاره الشيخ الموفق وابن عبدوس في تذكرته وجزم به في المقنع والوجيز وشرح ابن المنجا ونهاية ابن رزين ومنتخب الأزجي قال في المنور : ويملكه السيد مطلقا على قن وقدمه في الشرح قال في الكبرى : ولا يقيم الحد على مكاتبه وقدمه في المبدع قال وفيه وجه وذكره بعضهم المذهب لأنه عبد ( أو مرهونا أو مستأجرا ) أي فللسيد إقامته عليهما لأنهما ملكه ( ولو أنثى ) فللسيد إقامة الجلد عليها لما تقدم .

والحد الذي يقيمه السيد على قنه ( كحد الزنا وحد الشرب ) للمسكر ( وحد القذف ) لمحصن ( كما ) أن ( له ) أي السيد ( أن يعزره ) أي قنه ( في حق الله ) تعالى .

( و ) في ( حق نفسه ) أي السيد لما تقدم في المماليك ( ولا يملك ) السيد ( القتل ) لقنه ( في الردة و ) لا ( القطع في السرقة ) لأنه صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالجلد فلا يثبت في غيره ولأن في الجلد سترا على رقيقه لئلا يفتضح بإقامة الإمام له فينقص قيمته وذلك منتف فيهما ( بل ذلك ) أي القتل في الردة والقطع في السرقة ( للإمام ) أو نائبه لما سبق .

( ولا يملك ) السيد ( إقامته ) أي الجلد ( على قن مشترك ) لأنه ليس له ولاية على كله والحد تصرف في الشكل ( ولا ) يملك أيضا إقامته ( على من بعضه حر ) لما تقدم ( ولا على أمته المزوجة ) لقول ابن عمر ولا مخالف له في الصحابة ولأن منفعتها مملوكة لغيره ملكا غير مقيد بوقت أشبهت المشتركة ( ولا ) يملك ولي إقامة الحد ( على رقيق موليه كأجنبي ) أي كما لا يملك أجنبي إقامة حد على رقيق غيره بل يقيمه الإمام أو نائبه ( ولا يملكه ) أي إقامة الحد على رقيقه ( المكاتب ) لضعف ملكه .

( ولا يقيمه ) أي الحد ( السيد حتى يثبت ) موجبه ( عنده إما بإقرار الرقيق الإقرار الذي يثبت به الحد إذا علم ) السيد ( شروطه ) أي الإقرار ( أو ) يثبت ( ببينة يسمعها ) أي السيد ( إن كان ) السيد ( يحسن سماعها ) أي البينة ( ويعرف شروط العدالة ) المعتبرة في الشهادة لأن كل واحد من الإقرار والبينة حجة في ثبوته فوجب أن لا يختلف حال السيد فيه للسيد أن يسمع إقراره ويقيم الحد عليه ويقدم سماع البينة ( وإن ثبت ) موجب الحد ( بعلمه ) أي السيد ( فله إقامته ) لأنه قد ثبت عند ذلك كما لو أقر به ولأنه يملك تأديبه [ ص: 80 ] فكذا هنا .

( ولا ) يملك ( إمام ونائبه ) إقامة الحد بعلمه على حر ولا قن لقوله تعالى { فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } ثم قال : { فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون } ولأن الحاكم منهم بخلاف السيد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث