الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                                                      كشاف القناع عن متن الإقناع

                                                                                                                      البهوتي - منصور بن يونس البهوتي

                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                      ( وفي اللسان الناطق الدية ) إذا استوعب قطعا إجماعا ذكره ابن حزم لأنه أعظم الأعضاء نفعا وأتمها جمالا يقال جمال الرجل في لسانه ، والمرء بأصغريه قلبه ولسانه ، ويقال ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة مهملة أو بهيمة مهملة ( وفي الكلام الدية ) لأن كل ما تعلقت الدية بإتلافه تعلقت بإتلاف محله ( وفي الذوق إذا ذهب ولو من لسان أخرس الدية ) لأن الذوق حاسة أشبه الشم ( والمذاق الخمس : الحلاوة والمرارة والحموضة والعذوبة والملوحة فإذا ذهب واحد منها ) أي الخمس ( فلم يدركه وأدرك الباقي ) منها ( فخمس الدية ) لأن الخمس تجب فيها الدية ففي إحداها خمسها ( وإن ذهب اثنتان ) من الخمس ( فخمسان ) من الدية ( وفي ثلاثة ) من الخمس ( ثلاثة أخماس ) الدية ( وفي ) ذهاب ( أربعة ) من الخمس ( أربعة أخماس ) الدية .

                                                                                                                      ( وإن لم يدرك بواحدة ) من الخمس ( ونقص الباقي فخمس الدية ) التي لم تدرك بها ( وحكومة لنقص الباقي ، وإن جنى على لسان ناطق فأذهب كلامه وذوقه ) مع اللسان ( فديتان ) كما لو ذهبت منافع اللسان مع بقائه ( فإن قطعه ) أي اللسان ( فذهبت ) أي منفعة الكلام والذوق ( معا فدية واحدة ) لأنهما ذهبا تبعا فوجب دية اللسان دونهما ، كما لو قتل إنسانا ( وإن ذهب بعض الكلام وجب من الدية بقدر ما ذهب ) من الكلام كما تقدم في نظائره ( يعتبر ذلك بحروف المعجم وهي ثمانية وعشرون حرفا ) جعلا للألف المتحركة واللينة حرفا واحدا لتقاربهما في المخرج ، ولذلك إذا احتاجوا إلى تحريك الألف قلبوها همزة وإلا فهي تسعة وعشرون حرفا كما في حديث أبي ذر .

                                                                                                                      ( ففي الحرف الواحد ربع سبع الدية ) لأن الواحد ربع سبع الثمانية والعشرين ( وفي الحرفين نصف سبعها ، وكذا حساب ما زاد ) [ ص: 41 ] ففي الثلاثة أحرف ثلاثة أرباع سبع الدية ، وفي أربعة حروف سبع الدية وهكذا ( ولا فرق بين ما خف على اللسان من الحروف أو ثقل ) لأن كل ما وجب فيه المقدر لم يختلف لاختلاف قدره كالأصبع ( ولا ) فرق أيضا ( بين الشفوية والحلقية واللسانية ، وإن جنى على شفتيه فذهب بعض الحروف وجب فيه ) أي الذاهب ( بقدره ) أي بنسبته من الدية ( وكذلك إن ذهب بعض حروف الحلق بجناية ) وجب في الذاهب بقدره ( وإن ذهب حرف فعجز ) المجني عليه ( عن كلمة كجعله أحمد أمد لم يجب غير أرش الحرف ) الذاهب لأنه لم يذهب سواه .

                                                                                                                      ( وإن ذهب حرف فأبدل مكانه حرفا آخر مثل أن كان يقول درهم فصار يقول : دلهم أو دغهم أو دنهم فعليه ضمان الحرف الذاهب ) لأن ما يبدل لا يقوم مقام الذاهب في القوة ولا غيرها ( لا إن جنى عليه فذهب البدل وجبت ديته أيضا لأنه ) أي البدل ( أصل ) بنفسه ( وإن لم يذهب ) بالجناية ( شيء من الكلام لكن حصلت فيه عجلة أو تمتمة أو فأفأة ) وتقدم أن التمتان من يكرر التاء والفأفاء من يكرر الفاء ( فعليه ) أي الجاني ( حكومة ) لما حصل من النقص والشين ولم تجب الدية لأن المنفعة باقية ( فإن جنى عليه ) أي على ذلك المجني عليه الذي حصل في كلامه عجلة أو تمتمة أو فأفأة ( جان آخر فأذهب كلامه ففيه الدية كاملة ) .

                                                                                                                      كما لو جنى على عينه جان فعمشت ثم جنى عليه آخر فأذهب بصرها ( فإن أذهب ) الجاني ( الأول بعض الحروف وأذهب ) الجاني ( الثاني بقية الكلام فعلى كل واحد منهما ) أي الجانيين ( بقسطه ) من الدية فيضمن ما أتلفه دون غيره ( وإن كان ) المجني عليه ( ألثغ من غير جناية عليه فذهب إنسان بكلامه كله ) بجنايته عليه ( فإن كان ) الألثغ ( مأيوسا من زوال لثغته ففيه ) أي الذاهب ( بقسطه ) من الدية أي بقسط ( ما ذهب من الحروف ) كما لو أذهب سمع أذن أو شم منخر ( وإن كان ) الألثغ ( غير مأيوس من زوالها ) أي زوال لثغته ( كالصغير ففيه الدية كاملة ) لأن الظاهر زوال لثغته ( وكذلك الكبير إذا أمكن زوال لثغته بالتعليم ) وجنى عليه فأذهب كلامه ففيه الدية كاملة .

                                                                                                                      ( وإن قطع ) الجاني ( بعض اللسان فذهب بعض الكلام فإن استويا مثل أن قطع ربع لسانه فذهب ربع كلامه فربع الدية ) لربع اللسان ويندرج فيه ربع الكلام كما لو قطعه كله ( فإن ذهب من أحدهما أكثر من الآخر كأن قطع ربع لسانه فذهب نصف كلامه أو بالعكس ) بأن قطع نصف لسانه فذهب ربع كلامه ( وجب بقدر الأكثر وهو نصف الدية في الحالين ) لأن كل واحد من اللسان [ ص: 42 ] والكلام مضمون بالدية منفردا ألا ترى أنه لو ذهب نصف الكلام ولم يذهب من اللسان شيء أو ذهب نصف اللسان ولم يذهب من الكلام شيء وجب على كل صورة نصف الدية .

                                                                                                                      ( وإن قطع ) جان ( ربع اللسان فذهب نصف الكلام ثم قطع ) جان ( آخر بقيته ) أي اللسان ( فذهب بقية الكلام فعلى ) الجاني ( الأول نصف الدية ) لأنه أذهب نصف الكلام ( وعلى ) الجاني ( الثاني نصفها ) أي الدية لنصف اللسان بنصف الكلام ( و ) عليه أيضا ( حكومة لربع اللسان ) الذي لا كلام فيه لأنه لا نفع فيه فهو بمنزلة الأشل ( ولو قطع ) جان ( نصفه ) أي اللسان ( فذهب ربع الكلام ثم ) قطع ( آخر ) بقية اللسان ( فزال ثلاثة أرباعه ) أي الكلام ( فعلى الأول نصف الدية ) لإذهابه نصف اللسان ( وعلى الثاني ثلاثة أرباعها ) أي الدية لإذهابه ثلاثة أرباع الكلام .

                                                                                                                      ( وإن ) جنى عليه فذهب كلامه أو ذوقه أو قطع لسانه ثم ( عاد كلامه أو ذوقه أو لسانه سقطت الدية ) عن الجاني كما تقدم في عود السمع وغيره ( وإن كان ) المجني عليه ( قبضها ) أي الدية ثم عاد ما ذهب بالجناية ( ردها ) أي رد المجني عليه الدية للجاني أو عاقلته ، لأنه تبين أنه لا يستحقها ( وإن قطع نصفه ) أي اللسان ( فذهب كل كلامه ثم قطع آخر بقيته فعاد كلامه لم يجب رد الدية ) لأن الكلام الذي كان باللسان قد ذهب ولم يعد إلى اللسان وإنما عاد إلى محل آخر ( وإن قطعه ) أي اللسان ( فذهب كلامه ثم عاد اللسان دون الكلام لم يرد الدية ) كما لو زال كلامه واللسان باق .

                                                                                                                      ( وإن اقتص من ) أي مجني عليه ( قطع بعض لسانه فذهب من كلام الجاني مثل ما ذهب من كلام المجني عليه أو أكثر فقد استوفى ) المجني عليه ( حقه ولا شيء له ) أي الجاني ( في الزائد ) عن المجني عليه ( لأنه من سراية القود وسراية القود غير مضمونة وإن ذهب ) من كلام الجاني ( أقل ) مما ذهب من كلام المجني عليه ( فللمقتص دية ما بقي لأنه لم يستوف بدله ) .

                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                      الخدمات العلمية