الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قاعدة في الفناء والبقاء

[ ص: 156 ] قاعدة في الفناء والبقاء [ ص: 158 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد، فإنا قد كتبنا في مواضع قبل هذه في تحقيق التوحيد الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، والتمييز بينه وبين ما سماه كثير من الناس توحيدا، كما تسمي الجهمية الفلاسفة، والمعتزلة، ومن وافقهم نفي الصفات: توحيدا، ويجعلون من أثبتها ليس بموحد.

ويجعل غالية هؤلاء القائلين بأن الوجود واحد -كابن عربي وابن سبعين- التوحيد عبارة عن هذا الاتحاد الذي هو جامع للإلحاد، ويسمون نفوسهم أهل التحقيق والتوحيد.

وذكرنا [توحيد الربو] بية الذي أقر به المشركون الذين يقرون بأن الله [خالق كل شيء وربه ومليكه ...] لذة بلا تمييز، وهذا قلبه يلتذ بما [ ص: 160 ] فيه من الذكر والشهود، ولكن ليس له تمييز بين نفسه وغيره، بل قد لا يبقى له تمييز بين نفسه ومعبوده، فإذا لم يبق له تمييز بين هذا وهذا فقد يظن أنه هو هو، كما يحكون أن رجلا كان يحب آخر، فألقى المحبوب نفسه في اليم، فألقى المحب نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت، فما الذي أوقعك؟ قال: غبت بك عني، فظننت أنك أني.

وهذا إذا عاد إليه عقله يعلم أنه كان غالطا في ذلك، وأن الحقائق متميزة في ذاتها، فالرب رب، والعبد عبد، والخالق بائن عن المخلوقات، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.

ولكن في حال السكر والفناء والاصطلام لم يكن له شعور بسوى الحق عن تمييز ذلك السوى أنه عبد أو مخلوق.

وفي مثل هذا ما يحكى عن أبي يزيد أنه كان يقول: « سبحاني»، أو: « ما في الجبة إلا الله». وأمثال ذلك من الكلمات التي هي في نفسها كفر، ولو قالها وعقله معه كان كافرا، ولكن مع سقوط التمييز يبقى [ ص: 161 ] كالمجنون الذي رفع القلم عنه، [والنائم]، والسكران الذي لا ذنب له في السكر.

ومن الناس من يظن أن الحلاج كان في هذا المقام، وأن ما كان يتكلم به من الاتحاد كان في هذا الحال، حتى يحكي الكذابون: أنه لما قتل كتب دمه على الأرض: (الله الله) ; لقوة المحبة والفناء في المحبوب.

ويحكون أن زليخا فصدت، فكتب دمها على الأرض: (يوسف، يوسف) .

وكل هذا باطل محض، ما كتب دم محب قط على الأرض اسم محبوبه، ولا غير محبوبه.

والحلاج كان يصنف الكتب في السحر وغيره، ويتكلم بما يتكلم وهو حاضر العقل، ليس هو من باب أبي يزيد وأمثاله. [ ص: 162 ]

وهذا الحال يحمد منه ما كان من النوع الأول وهو حب الله دون ما سواه، والفناء عن محبة غيره ورجاؤه، وخوفه والتعلق به، حتى يبقى دين العبد باطنا وظاهرا لله عز وجل من الأقوال: وقد يكون سببه نقص العلم; فإن كان الأول كان صاحبه أكمل وأصح إيمانا وأعلى منزلة، ولم يكن عليه ذم، فإن القلب إذا انصرف إلى شيء انصرف عما سواه، بحسب قوة انجذابه إلى هذا وإعراضه عن هذا.

وأما الثاني: فمثل من يشهد توحيد الربوبية، فيرى الله خالق كل شيء ومليكه، ليس في الوجود إلا ما يشاء كونه. فيشهد ما اشترك فيه المخلوقات، من خلق الله إياها، ومشيئته لها، وقدرته عليها، وشمول القيومية والربوبية عليها. ولا يشهد ما افترقت فيه، من محبة الله لهذا وبغضه لهذا، وأمره بهذا ونهيه عن هذا، وموالاته لهذا ومعاداته لهذا، وهو توحيد الإلهية الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، فلا يشهد التفرقة في الجمع، ولا الكثرة في الوحدة.

وهذا الفناء قد يكون مع الصحو وحضور العقل، وقد يكون مع السكر، فإن كان مع الفناء والسكر كان ناقصا من وجهين، لكن قد يكون أعذر ممن قام فيه مع الصحو.

وقد يظن مع ذلك أنه في حال الجمع والفناء في التوحيد، الذي [ ص: 163 ] هو أعلى المقامات، ويظن أن من كان هذا المشهد مقامه يسقط عنه الأمر والنهي. ويقول أحدهم: إنما يسقط عنه الأمر لأنه شهد الإرادة. ولا يعلم أن مجرد توحيد الربوبية قد أقر به المشركون، كما قال تعالى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله [العنكبوت: 61].

وقال تعالى: قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون [المؤمنون: 84 - 89].

وقال تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [يوسف: 106].

قال ابن عباس: « إذا سألتهم من خلق السموات والأرض، فيقولون: الله، وهم يعبدون غيره».

فمن كان هذا التوحيد هو غاية توحيده انسلخ من دين الله وجميع رسله، ولم يتميز عنده أولياء الله من أعدائه، ولا أنبياؤه المرسلون من [ ص: 164 ] المشركين به المكذبين، ولا أهل الجنة من أهل النار، ولا المعروف من المنكر، وسوى بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمفسدين في الأرض، وبين المتقين والفجار.

ورأس الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، فتعبد الله لا تعبد معه غيره، وتحب ما أحبه الله ورسوله، وتبغض ما أبغضه الله ورسوله. وتفرق فيما شاءه وقضاه، بين ما يسخطه الله ويكرهه، وبين ما يحبه ويرضاه.

قال تعالى: ولا يرضى لعباده الكفر [الزمر: 7]. وقال: والله لا يحب الفساد [البقرة: 205]. وقال: إذ يبيتون ما لا يرضى من القول [النساء: 108].

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث