الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان أحوال الميت من وقت نفخة الصور إلى آخر الاستقرار في الجنة أو النار

فهذه جملة من المكاشفات تدل على أحوال الموتى وعلى الأعمال المقربة إلى الله زلفى ، فلنذكر بعدها ما بين يدي الموتى من ابتداء نفخة الصور إلى آخر القرار إما في الجنة أو في النار ، والحمد لله حمد الشاكرين .

الشطر الثاني من كتاب ذكر الموت في أحوال الميت من وقت نفخة الصور .

إلى آخر الاستقرار في الجنة أو في النار ، وتفصيل ما بين يديه من الأهوال والأخطار .

وفيه بيان نفخة الصور .

وصفة أرض المحشر وأهله .

وصفة عرق المحشر .

وصفة طول يوم القيامة .

وصفة يوم القيامة ودواهيها وأساميها .

وصفة المساءلة عن الذنوب .

وصفة الميزان ، وصفة الخصماء ورد المظالم .

وصفة الصراط .

وصفة الشفاعة .

وصفة الحوض .

، وصفة جهنم ، وأهوالها وأنكالها وحياتها وعقاربها .

وصفة الجنة وأصناف نعيمها ، وعدد الجنان وأبوابها وغرفها وحيطانها وأنهارها وأشجارها ولباس أهلها وفرشهم وسررهم وصفة طعامهم ، وصفة الحور العين والولدان .

وصفة النظر إلى وجه الله تعالى .

وباب في سعة رحمة الله تعالى ، وبه ختم الكتاب إن شاء الله تعالى .

صفة نفخة الصور .

قد عرفت فيما سبق شدة أحوال الميت في سكرات الموت وخطره في خوف العاقبة ، ثم مقاساته لظلمة القبر وديدانه ثم لمنكر ونكير وسؤالهما ثم لعذاب القبر وخطره إن كان مغضوبا عليه .

وأعظم من ذلك كله الأخطار التي بين يديه ، من نفخ الصور ، والبعث يوم النشور ، والعرض على الجبار ، والسؤال عن القليل والكثير ، ونصب الميزان لمعرفة المقادير ، ثم جواز الصراط مع دقته وحدته ، ثم انتظار النداء عند فصل القضاء ، إما بالإسعاد وإما بالإشقاء ؛ فهذه أحوال وأهوال لا بد لك من معرفتها ثم الإيمان بها على سبيل الجزم والتصديق ثم تطويل الفكر في ذلك لينبعث من قلبك دواعي الاستعداد لها وأكثر الناس لم يدخل الإيمان باليوم الآخر صميم قلوبهم ولم يتمكن من سويداء أفئدتهم ويدل على ذلك شدة تشمرهم واستعدادهم لحر الصيف وبرد الشتاء وتهاونهم بحر جهنم وزمهريرها مع ما تكتنفه من المصاعب والأهوال بل ، إذا سئلوا عن اليوم الآخر نطقت به ألسنتهم ثم غفلت عنه قلوبهم ومن أخبر بأن ما بين يديه من الطعام مسموم ، فقال لصاحبه الذي أخبره : صدقت ، ثم مد يديه لتناوله كان مصدقا بلسانه ومكذبا بعمله ، وتكذيب العمل أبلغ من تكذيب اللسان .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى شتمني : ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني وكذبني وما ينبغي له أن يكذبني أما شتمه إياي فيقول إن لي ولدا وأما تكذيبه فقوله : لن يعيدنا كما بدأنا وإنما فتور البواطن عن قوة اليقين والتصديق بالبعث والنشور لقلة الفهم في هذا العالم لأمثال تلك الأمور ولو لم يشاهد الإنسان توالد الحيوانات ، وقيل له : إن صانعا يصنع من النطفة القذرة مثل هذا الآدمي المصور العاقل المتكلم المتصرف لاشتد نفور باطنه عن التصديق به ؛ ولذلك قال الله تعالى: أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وقال تعالى أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ففي خلق الآدمي مع كثرة عجائبه واختلاف تركيب أعضائه أعاجيب تزيد على الأعاجيب في بعثه وإعادته ، فكيف ينكر ذلك من قدرة الله تعالى وحكمته من يشاهد ذلك في صنعته وقدرته ؟ فإن كان في إيمانك ضعف فقو الإيمان بالنظر في النشأة الأولى فإن الثانية مثلها وأسهل منها وإن كنت قوي الإيمان بها فأشعر قلبك تلك المخاوف والأخطار وأكثر فيها التفكر والاعتبار لتسلب عن قلبك الراحة والقرار فتشتغل بالتشمير للعرض على الجبار وتفكر أولا فيما يقرع سمع سكان القبور من شدة نفخ الصور فإنها صيحة واحدة تنفرج بها القبور عن رءوس الموتى فيثورون دفعة واحدة .

فتوهم نفسك وقد وثبت متغيرا وجهك مغبرا بدنك من فرقك إلى قدمك من تراب قبرك مبهوتا من شدة الصعقة شاخص العين نحو النداء وقد ثار الخلق ثورة واحدة من القبور التي طال فيها بلاؤهم وقد أزعجهم الفزع والرعب مضافا إلى ما كان عندهم من الهموم والغموم وشدة الانتظار لعاقبة الأمر كما قال تعالى : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وقال تعالى : فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير وقال تعالى : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون فلو لم يكن بين يدي الموتى إلا هول تلك النفخة لكان ذلك جديرا بأن يتقى ، فإنها نفخة وصيحة يصعق بها من في السماوات والأرض يعني يموتون بها إلا من شاء الله وهو بعض الملائكة .

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى الجبهة وأصغى بالأذن متى يؤمر فينفخ .

التالي السابق


(فهذه جملة من المكاشفات تدل على أحوال الموتى وعلى الأحوال المقربة إلى الله زلفى، فلنذكر بعدها ما بين يدي الموتى من ابتداء نفخة الصور إلى آخر القرار ما في الجنة أو في النار، والحمد لله حمد الشاكرين) وبه انقضى ذكر الأبواب الثمانية التي هي من الشطر الأول من هذا الكتاب، وهذا شروع في ذكر الشطر الثاني، قال رحمه الله تعالى:

(الشطر الثاني من كتاب ذكر الموت)

(في) بيان (أحوال الميت من وقت نفخة الصور إلى آخر الاستقرار في الجنة أو النار، وتفصيل ما بين يديه من الأهوال والأخطار) أي: الشدائد والأمور العظيمة (وفيه بيان نفخة الصور، وصفة أرض المحشر وأهله، وصفة عرق المحشر، وصفة طول يوم القيامة، وصفة يوم القيامة ودواهيها وأساميها، وصفة المسألة عن الذنوب، وصفة الميزان، وصفة الخصماء ورد المظالم، وصفة الصراط، وصفة الشفاعة، وصفة الحوض، وصفة) جهنم (وأهوالها وأنكالها وحياتها وعقاربها، وصفة الجنة وأصناف نعيمها، وعدد الجنان وأبوابها وغرفها وحيطانها وأنهارها [ ص: 448 ] وأشجارها ولباس أهلها وفرشهم وسررهم وصفة طعامهم، وصفة الحور العين والولدان، وصفة النظر إلى وجه الله تعالى، وباب في سعة رحمة الله تعالى، وبه ختم الكتاب إن شاء الله تعالى) ختم الله بالصالحات أعمالنا .

* (صفة نفخ الصور)

اعلم أيدك الله بنور البصيرة (قد عرفت فيما سبق شدة أحوال الميت) مما يلقاه (في سكرات الموت وخطره في خوف العاقبة، ثم مقاساة ظلمة القبر وديدانه) وضيقه ووحشته (ثم لمنكر ونكير وسؤالهما) وانتهارهما (ثم لعذاب القبر وخطره إن كان معتوبا عليه، وأعظم من ذلك كله الأخطار التي بين يديه، من نفخ الصور، والبعث يوم النشور، والعرض على الجبار، والسؤال عن القليل والكثير، ونصب الميزان لمعرفة المقادير، ثم جواز الصراط مع رقته وحدته، ثم انتظار النداء عند فصل القضاء، إما بالإسعاد وإما بالإشقاء؛ فهذه أحوال وأهوال لا بد لك من معرفتها) أولا (ثم الإيمان بها على سبيل الجزم والتصديق) العاريين عن الريب والتردد (ثم تطويل الفكر في ذلك لتنبعث من قلبك دواعي الاستعداد لها) فمن لم يستعد لها لم تفده معرفته شيئا، والاستعداد إنما يحصل أولا بمزاولة الفكر ومعاودته مرة بعد أخرى .

(وأكثر الناس) إن تأملت في أحوالهم (لم يدخل الإيمان باليوم الآخر صميم قلوبهم ولم يتمكن من سويداء أفئدتهم) لفقدان علاماته (ويدل على ذلك شدة تشمرهم واستعدادهم لحر الصيف وبرد الشتاء وتهاونهم بحر جهنم وزمهريرها) وأي نسبة بينهما (مع ما تكتنفه) أي: تحيط به (من المصائب وأهوال، نعم إذا سئلوا عن اليوم الآخر نطقت به ألسنتهم) بأنه حق (ثم غفلت عنه قلوبهم و) أنت خبير بأن (من أخبر بأن ما بين يديه من الطعام مسموم، فقال لصاحبه الذي أخبره: صدقت، ثم مد يده لتناوله كان مصدقا بلسانه مكذبا بعمله، وتكذيب العمل أبلغ من تكذيب اللسان، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: قال الله تعالى: شتمني ابن آدم) هكذا بلفظ الماضي، وروى بلفظ المضارع، والشتم الوصف بما يقتضي النقص، وهو عموم يراد به الخصوص، وهم بعض بني آدم ممن أنكر البعث، ومن ادعى ندا (وما ينبغي له أن يشتمني) أي: لا يجوز له أن يصفني بما يقتضي النقص (وكذبني وما ينبغي له أن يكذبني) أي: ليس له ذلك من حق مقام العبودية مع الربوبية (أما شتمه إياي فيقول) وفي رواية فقوله (إن لي ولدا) لاستلزامه الإمكان المتداعي للحدوث، وذلك غاية النقص في حق الباري (وأما تكذيبه) إياي (فقوله: لن يعيدنا كما بدأنا) قال العراقي : رواه البخاري من حديث أبي هريرة . ا هـ .

قلت: لفظ البخاري : أما شتمه إياي، فقوله: إن لي ولدا وأنا الله الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد، وأما تكذيبه إياي، فقوله: ليس يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته. وهكذا رواه أحمد والنسائي، ولفظ البخاري في تفسيره سورة البقرة من حديث ابن عباس : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا .

قال الطيبي : فإن قيل: أي الأمرين أعظم؟ قلنا: كلاهما عظيم، لكن التكذيب أقدم؛ لأن المكونات لم تكن إلا للجزاء؛ فمن أنكر الجزاء لزمه العبث في التكوين أو إعدام السموات والأرض، فينتفي جميع الصفات التي أثبتها الشارع، فيلزم منه التعطيل على أن الصفات الثبوتية إذا انتفت يلزم منه انتفاء الذات وكذا السلبية .

وقال القاضي: في الحديث إشارة إلى برهان تحقق المعاد وإمكان الإعادة، وهو أن ما يتوقف عليه تحقق البدن من موارده وأجزائه وصورته لو لم يكن وجوده ممكنا لما وجد أولا وقد وجد، وإذا أمكن لم يمتنع لذاته وجوده ثانيا، وإلا لزم انقلاب الممكن لذاته ممتنعا لذاته، وهو محال، وتنبيه على تمثيل يرشد العامي وهو [ ص: 449 ] ما يرى في الشاهد أن من عمد إلى اختراع صفة لم ير مثلها صعب ذلك عليه وتعب وافتقر إلى مكابدة أفعال ومعاونة أعوان ومرور أزمان، ومع ذلك كثيرا ما لا يتم له الأمر، ومن أراد إصلاح منكسر وإعادة منهدم هان عليه؛ فيا معشر الغواة، أتحيلون إعادة أبدانكم وأنكم معترفون بجواز ما هو أصعب منها بالنسبة لقدركم، وأما بالنسبة لله فيستوي عنده تكوين بعوض طيار وتخيل فلك دوار وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر .

وقال الطيبي : ومما في التكذيب والشتم من الفظاعة والهول أن المكذب منكر للحشر يجعل الله كاذبا والقرآن الذي هو مشحون بإثباته مفترى. ويجعل حكمة الله في خلق السماء والأرض عبثا، والشاتم يحاول إزالة المخلوقات بأسرها ويزاول تخريب السموات من أصلها تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا .

(وإنما فتور البواطن عن قوة اليقين والتصديق بالعبث والنشور) فإنه (لقلة الفهم لأمثال تلك الأمور) وعدم الفهم بها (ولو لم يشاهد الإنسان توالد الحيوانات، وقيل له: إن صانعا يصنع من النطفة القذرة مثل هذا الآدمي المصور العاقل المتكلم المتصرف) في الأمور (لاشتد نفور باطنه عن التصديق به؛ ولذلك قال الله تعالى: أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ) فيه تسلية بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر، وفيه تقبيح بليغ لإنكاره حيث عجب منه وجعله إفراطا في الخصومة بينا، ومنافاة للجحود والقدرة على ما هو أهون مما عمله في بداية خلقه ومقابلة النعمة التي لا مزيد عليها، وهي خلقة من أخس شيء وأمهنه شريفا مكرما بالعقوق والتكذيب .

وقيل: معنى فإذا هو خصيم مبين فإذا هو بعدما كان ماء مهينا مميز منطيق قادر على الخصام معرب عما في نفسه (وقال تعالى) ألم نخلقكم من ماء مهين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون ويل يومئذ للمكذبين أي: بقدرتنا أو على الإعادة، وقال تعالى: ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) أي: مهملا لا يكلف ولا يجازى ( ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى ) أي: قدره فعدله .

(ففي خلق الآدمي مع كثرة عجائبه واختلاف تركيب أعضائه أعاجيب تزيد على الأعاجيب في بعثه وإعادته، فكيف ينكر ذلك من قدرة الله تعالى وحكمته من يشاهد ذلك في صنعه وقدرته؟ فإن كان في إيمانك ضعف فقو الإيمان بالنظر في النشأة الأولى فإن الثانية مثلها وأسهل منها) كما في الحديث المتقدم، وليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته (وإن كنت قوي الإيمان بها فأشعر قلبك تلك المخاوف والأخطار وأكثر فيها التفكر والاعتبار لتسلب عن قلبك الراحة والقرار فتشتغل بالتشمير) والتهيؤ (للعرض على الجبار) جل جلاله (وتفكر أولا فيما يقرع سمع سكان القبور من شدة نفخ الصور فإنها صحيحة واحدة تنفرج بها القبور عن رءوس الموتى فيثورون) منها (دفعة واحدة) كما نطق بها القرآن .

(فتوهم نفسك وقد وثبت) من القبر (مغبرا بدنك من فرقك إلى قدمك من تراب قبرك مبهوتا) أي: متحيرا (من شدة الصعقة شاخص العين نحو النداء وقد ثار الخلق ثورة واحدة من القبور التي طال فيها بلاؤهم وقد أزعجهم الفزع والرعب مضافا إلى ما كان عندهم من الغموم والهموم وشدة الانتظار لعاقبة الأمر كما قال تعالى: ونفخ في الصور ) يعني المرة الأولى ( فصعق من في السماوات ومن في الأرض ) أي: آخر ميتا ومغشيا عليه ( إلا من شاء الله ) سيأتي قريبا ( ثم نفخ فيه أخرى ) أي: نفخة أخرى ( فإذا هم قيام ) أي: قائمون من قبورهم أو موفقون (ينظرون) أي: يقلبون أبصارهم من الجوانب كالمبهوتين وينظرون ما يفعل بهم وأشار إلى النفخة الأولى بقوله: فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وهذه النفخة عندها خراب العالم (وقال تعالى: فإذا نقر ) أي: نفخ ( في الناقور ) أي: الصور، فعول من النقر بمعنى التصويت، وأصله القرع الذي هو سبب الصوت [ ص: 450 ] ( فذلك يومئذ يوم عسير ) على الكافرين غير يسير (وقال تعالى: ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) يعنون وعد البعث ( ما ينظرون ) ما ينظرون ( إلا صيحة واحدة ) هي النفخة الأولى ( تأخذهم وهم يخصمون ) يتخاصمون في معاملاتهم لا يخطر ببالهم أمر ما ( فلا يستطيعون توصية ) عن شيء أمورهم ( ولا إلى أهلهم يرجعون ) فيروا حالهم بل يموتوا في حيث تبغتهم ( ونفخ في الصور ) أي: مرة ثانية ( فإذا هم من الأجداث ) أي: القبور ( إلى ربهم ينسلون ) يسرعون ( قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ) فيه رمز وإشعار بأنهم لاختلاط عقولهم يظنون أنهم كانوا نياما ( هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) وهو من كلامهم، وقيل: جواب للملائكة أو المؤمنين عن سؤالهم معدول عن سننه؛ تذكيرا لكفرهم وتقريعا لهم عليه وتنبيها بأن الذي يهمهم هو السؤال عن البعث دون الباعث، كأنهم قالوا: بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث لو أرسل إليكم الرسل فصدقوكم، وليس الأمر كما تظنون؛ فإنه ليس بعث النائم فهمكم السؤال عن الباعث وإنما هو البعث الأكبر ذو الأهوال .

(فلو لم يكن بين يدي الموت إلا هول تلك النفخة لكان ذلك جديرا بأن يتقى، فإنها نفخة وصيحة يصعق بها من في السموات والأرض يعني يموتون بها) أو يغشى عليهم، وبكل منهما فسرت الآية ( إلا من شاء الله وهو) أي: المستثنى (بعض الملائكة) قيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وأنهم لا يموتون بعد، وقيل: حملة العرش كما سيأتي قريبا (ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى الجبهة) أي: أمالها (وأصغى بالآذان) ليستمع (متى يؤمر) بالنفخ (فينفخ) .

قال العراقي : رواه الترمذي من حديث أبي سعيد، وقال: حسن، ورواه ابن ماجه بلفظ: إن صاحبي القرن بأيديهما أو في أيديهما قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران، وفي رواية ابن ماجه : الحجاج بن أرطاة مختلف فيه. ا هـ .

قلت: حديث أبي سعيد رواه أيضا سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد وأبو يعلى وأبو حبان وابن خزيمة وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في البعث، والضياء في المختارة بزيادة: قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا . ورواه أحمد أيضا والطبراني من حديث زيد بن أرقم وأحمد أيضا والطبراني في الأوسط والحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس، ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث جابر وأبو الشيخ في العظمة من حديث أبي هريرة والبارودي من حديث الأرقم بن الأرقم، وقال: كذا في كتابي ولا أدري مني أو ممن حدثني، وقال أيوب : زيد بن أرقم، ورواه أيضا من حديث أنس .

وروى الخطيب من حديث أنس بلفظ: كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى ظهره ينظر تجاه العرش كأن عينيه كوكبان دريان لم يطرف قط مخافة أن يؤمر من قبل ذلك، وأما لفظ ابن ماجه، فرواه كذلك البزار وابن مردويه .

وقد روي نحو ذلك من حديث ابن عمر : النافخان في السماء الثانية رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب ينتظران متى يؤمران فينفخان . رواه أحمد والحاكم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث