الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

معنى قضاء الله في عباده وتنزيهه عن الظلم

الوجه السادس : أن هذه الأسئلة لا يتوجه إيرادها على العلم ولا على القدرة ، وغاية ما تورد على العدل والحكمة ، وأنها كيف تجامع عدله وحكمته ، فنقول : قد اتفق أهل الأرض والسماوات على أن الله تعالى عدل لا يظلم أحدا ، حتى أعداءه المشركين الجاحدين لصفات كماله ، فإنهم مقرون له بالعدل ومنزهون له عن الظلم ، حتى إنهم ليدخلون النار وهم معترفون بعدله ، كما قال تعالى : ( فاعترفوا بذنبهم ) ، وقال تعالى : ( يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) فهو سبحانه قد حرم الظلم على نفسه ، وأخبر أنه لا يهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ، فلا يصح إيراد هذه الأسئلة مع اعترافهم بعدله ، يوضحه :

الوجه السابع : أن طرق الناس اختلفت في حقيقة الظلم الذي ينزه عنه الرب سبحانه وتعالى ، فقالت الجبرية : هو المحال الممتنع لذاته كالجمع بين الضدين ، وكون الشيء موجودا معدوما ، قالوا : لأن الظلم إما التصرف في ملك الغير بغير إذنه ، وإما مخالفة الأمر ، وكلاهما في حق الله تعالى محال ، فإن الله مالك كل شيء ، وليس فوقه أمر تجب طاعته ، قالوا : وأما تصور وجوده وقدر وجوده فهو عدل كائنا ما كان ، وهذا قول جهم ومن اتبعه ، وهو قول كثير من الفقهاء أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم من المتكلمين .

وقال القدرية : الظلم إضرار غير مستحق ، أو عقوبة العبد على ما ليس من فعله ، أو عقوبته على ما هو مفعول منه ونحو ذلك ، قالوا : فلو كان سبحانه خالقا لأفعال العبيد مريدا لها قد شاءها وقدرها عليهم ، ثم عاقبهم عليها كان ظالما ، ولا يمكن إثبات كونه سبحانه عدلا لا يظلم إلا بالقول ، فإنه لم يرد وجود الكفر والفسوق والعصيان ، ولا شاءها ، بل العباد فعلوا ذلك بغير مشيئته وإرادته ، كما فعلوه بغير إذنه [ ص: 232 ] وأمره ، وهو سبحانه لم يخلق شيئا من أفعال العباد لا خيرها ولا شرها ، بل هم أحدثوا أعمالهم بأنفسهم ولذلك استحقوا العقوبة عليها ، فإذا عاقبهم لم يكن ظالما لهم ، وعندهم أنه يكون ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون ، فإن المشيئة عندهم بمعنى الأمر ، وهاتان الطائفتان متقابلتان غاية التقابل ، كل منهما تذم الأخرى ، وقد تكفرها وتسميها قدرية .

وقال أهل السنة والحديث ومن وافقهم : الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وهو سبحانه حكم عدل ، لا يضع الشيء إلا في موضعه الذي يناسبه ويقتضيه العدل والحكمة والمصلحة ، وهو سبحانه لا يفرق بين متماثلين ولا يساوي بين مختلفين ، ولا يعاقب إلا من يستحق العقوبة ، ويضعها موضعها لما في ذلك من الحكمة ، ولا يعاقب أهل البر والتقوى ، وهذا قول أهل اللغة قاطبة ، وتفسير الظلم بذينك التفسيرين اصطلاح حادث ووضع جديد .

قال ابن الأنباري : الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، يقال : ظلم الرجل سقاءه إذا سقى منه قبل أن يخرج منه زبده ، وقال الشاعر :

وصاحب صدق لم ينلني شكاية ظلمت وفي ظلمتي له عامدا أجر

أراد بالصاحب : وطب اللبن ، وظلمه إياه أن يستقيه قبل أن يخرج زبده ، قال : والعرب تقول : هو أظلم من حية ، لأنها تأتي الحفر الذي لم تحفره فتسكنه ، ويقال : قد ظلم الماء الوادي إذا وصل منه إلى مكان لم يكن يصل إليه فيما مضى ، وقال الحسن بن مسعود والفراء : أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، قال : ومنه قولهم من أشبه أباه فما ظلم ، وقوله : من استرعى الذئب فقد ظلم ، يعنون من أشبه أباه فما وضع لشبه في غير موضعه ، وهذا القول هو الصواب المعروف في لغة العرب والقرآن والسنة ، وإنما تحمل ألفاظهما على لغة القوم لا على الاصطلاحات الحادثة ، فإن هذا أصل كل فساد وتحريف وبدعة ، وهذا شأن أهل البدع دائما ، يصطلحون على معان يضعون لها ألفاظا من ألفاظ العرب ثم يحملون ألفاظ القرآن والسنة على تلك الاصطلاحات الحادثة .

فأما الجبرية فعندهم لا حقيقة للظلم الذي نزه الرب نفسه عنه البتة ، بل هو المحال لذاته الذي لا يتصور وجوده ، وكل ممكن عندهم فليس بظلم حتى إنه لو عذب رسله وأنبياءه وأولياءه أبد الآبدين ، وأبطل جميع حسناتهم وحملهم أوزار غيرهم [ ص: 233 ] وعاقبهم عليها ، وأثاب أولئك على طاعات غيرهم وحرم ثوابها فاعلها ، لكان ذلك عدلا محضا ، فإن الظلم من الأمور الممتنعة لذاتها في حقه وهو غير مقدور له ، بل هو كقلب المحدث قديما محدثا ، واحتج هؤلاء بأن الظلم التصرف في غير الملك أو مخالفة الأمر ، قالوا : ويدل على هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أصاب العبد قط هم ولا حزن فقال : اللهم إني عبدك ابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماض في حكمك ، عدل في قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحدا من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي ، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانا فرحا " ، قالوا : يا رسول الله أفلا نتعلمهن ؟ قال : " بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن " فأخبر أن جميع أقضيته في عبده عدل منه ، وهذا يعم قضاء المصائب وقضاء المعائب وقضاء العقوبات على الجرائم ، ولهذا قال العارفون بالله : كل نعمة منه فضل ، وكل نقمة منه عدل .

وقال عمران بن حصين لأبي الأسود الدؤلي : أرأيت ما يكدح الناس اليوم ويعملون فيه ؟ أشيء قضي عليهم ، ومضى من قدر قد سبق ، أو فيما يستقبلون فيما أتاهم به نبيهم فأخذت عليهم به الحجة ؟ قال : فهلا يكون ذلك ظلما ؟ قال : ففزعت من ذلك فزعا شديدا ، وقلت : إنه ليس شيء إلا وهو خلق لله وملك يده ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، فقال : سددك الله ، إني والله ما سألتك إلا لأحرز عقلك ، قالوا : ويكفي في هذا قوله تعالى : ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) وقالوا : ونحن نرى في الشاهد أن السيد إذا أمكن عبيده من الفساد وهو قادر على منعهم وكفهم عن ذلك فلم يفعل ، بل خلى بينهم وبين ذلك ومكنهم منه وأعانهم عليه ، وأعطاهم أسبابه ثم عاقبهم على ذلك كان ظالما لهم ، والله تعالى قد فعل ذلك [ ص: 234 ] بعبيده وهو أعدل العادلين وليس بظلام للعبيد ، فعلمنا أن الظلم المنزه عنه هو المحال بذاته وأنه غير مقدور .

وأصحاب هذا القول إنما نزهوا الله عن المستحيل لذاته الذي لا يتصور وجوده ، ومعلوم أن هذا التنزيه يشترك فيه كل أحد ، ولا يمدح به أحد أصلا فإنه لا مدح في كون الممدوح منزها عن الجمع بين النقيضين ، والله تعالى قد تمدح الظلم ، وأنه لا يريده ومحال أن يتمدح بكونه لا يريد الجمع بين النقيضين ، وأنه لا يريد قلب الحادث قديما ، ولا قلب القدم حادثا ، ولا جعل الشيء موجودا معدوما في آن واحد .

وأيضا فإنه سبحانه قال : ( ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ) قال المفسرون من السلف والخلف قاطبة : الظلم أن يحمل عليه سيئات غيره ، والهضم أن ينقص من حسنات ما عمل ، وعند الجبرية أن هذا لو وقع لم يكن ظلما ، ومن المعلوم أن الآية لم ترفع عنه خوف المحال لذاته ، وأنه لا يخاف الجمع بين النقيضين ، فإنه لا يخاف ذلك ، ولو أتى بكل كفر وإساءة ، فلا يجوز تحريف كلام الله بحمله على هذا ، فإن الخوف من الشيء يستلزم تصور وجوده وإمكانه ، وما لا يمكن وجوده يستحيل خوفه ، وأيضا فإنه لا يحسن أن ينفى الجمع بين الضدين في السياق الذي نفى الله فيه الظلم كقوله تعالى : ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ) فلا يحسن بوجه أن يقال عقيب هذه الجملة : وما ربك بجامع للعبيد بين الوجود والعدم في آن واحد ، وإنما الظلم المنفي هو خلاف ما اقتضاه قوله : ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ) ، وكذلك قوله : ( ولا تظلمون فتيلا ) ، ( ولا يظلمون نقيرا ) ، ( ولا يظلمون شيئا ) أي لا يترك من أعمالهم ما هو بقدر الفتيل والنقير ، فيكون ظلما ، وعند الجبرية تجوز أن يترك ثواب جميع أعمالهم من أولها إلى آخرها بغير سبب يقتضي تركها إلا مجرد المشيئة والقدرة ، ولا يكون ذلك ظلما ، وكذلك قوله : ( وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ) ، ( وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ) بين أنه لم يعاقبهم بغير جرم فيكون ظالما لهم بل عاقبهم بظلمهم أنفسهم .

[ ص: 235 ] والمعنى عند الجبرية أنا تصرفنا بقدرتنا ومشيئتنا وملكنا فلم نظلمهم وإن كانوا مؤمنين محسنين ، وليست الأعمال والسيئات والكفر عندهم أسبابا للهلاك ولا مقتضية له ، وإنما هو محض المشيئة ، والقرآن يكذب هذا القول ويرده كقوله : ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) ، وقوله : ( فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) ، وقوله : ( فأخذهم الله بذنوبهم ) ، ( مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا ) ، ( ووقع القول عليهم بما ظلموا ) ، ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) والقرآن مملوء من هذا .

فالظلم الذي أثبت الله لهم وجعله نفس فعلهم وسبب هلاكهم نفوه ، وقالوا : ليس من فعلهم ولا سبب إهلاكهم ، والظلم الذي نفاه عن نفسه وهو عقوبتهم بلا سبب أثبتوه له ، وقالوا : ليس بظلم ، فإنه مقدور ممكن ، فنزهوه عما عابهم به ووصفوه بما نزه نفسه عنه ، واعتقدوا بذلك أنهم به عارفون ولأهل السنة ناصرون ، ولا يليق به سبحانه أن ينفى عنه الجمع بين النقيضين ، فإن ما لا يمكن تعلق القدرة به لا يمدح الممدوح بعدم إرادته ، وإنما يكون المدح بترك ما يقدر الممدوح على فعله وتركه تنزيها عما فعله ، وإلا فكيف يمدح الموتى بترك الأفعال القبيحة ؟ وكيف يمدح الزمن بترك طيرانه إلى السماء ؟ وأيضا فإنه سبحانه يمدح نفسه بتحريمه الظلم على نفسه كما في الحديث الإلهي : " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي " أن أخلق مثلي ، أو أجمع بين النقيضين ، أو أقلب القديم حادثا والحادث قديما ونحو ذلك من الممتنع لذاته ، وهذا لا يجوز أن ينسب التكلم به إلى آحاد العقلاء فضلا عن رب العالمين .

وغاية ما يقال في تأويل ذلك على هذا القول بعد تحسين العبارة وزخرفتها إني أخبرت عن نفسي أن ما لا يكون مقدورا أو يكون مستحيلا لا يقع مني ، وهذا مما يقطع من له فهم عن الله ورسوله أنه غير مراد وأنه يجب تنزيه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عن إرادة هذا المعنى الذي لا يليق التمدح والتعرف إلى عباده بمثله .

[ ص: 236 ] فإن قيل : حاصل هذا أنه لا يعقل التمدح بترك ما يستحيل وقوعه ، وهذا فاسد ، فقد حمد سبحانه نفسه وتمدح بعدم اتخاذ الولد وعدم الشريك والولي من الذل ، وهذه الأشياء مستحيلة في حقه ، فهكذا حمد نفسه على تنزهه من الظلم وإن كان مستحيلا غير مقدور .

قيل : الفرق بين ما هو محال لذاته في نفسه الأمر وبين ما هو ممكن أو واقع لكن يستحيل وصف الرب به ونسبته إليه ، فالأول لا يتمدح به ، بل العبد لا يرضى أن يمدح به نفسه ، فلا يتمدح عاقل بأنه لا يجمع بين النقيضين ولا يجعل الشيء متحركا ساكنا ، وأما الثاني فإنه ممكن واقع لكن يستحيل اتصاف من له الكمال المطلق به كالولد والصاحبة والشريك ، فإن نفي هذا من خصائص الربوبية ، فنفى سبحانه عن نفسه ما هو ثابت لخلقه ، وهم متصفون به لمنافاته لكماله ، كما نزه نفسه عن السنة والنوم واللغوب والنسيان والعجز والأكل والموت ، وغير ذلك مما هو مستحيل عليه ممتنع في حقه ، ولكنه واقع من العباد ، فكان في تنزيهه عنه ما يبين انفراده بالكمال وعدم مشابهته لخلقه ، بخلاف ما لا يتصور وقوعه في نفس الأمر وهو مستحيل في نفسه ، كجعل المخلوق خالقا ، وجعل الخالق مخلوقا ، فإن هذا لا يتمدح سبحانه بنفيه ، ولهذا لا يتمدح به مخلوق عن الخالق .

قيل : إن ما تمدح به سبحانه فهو من خصائصه التي لا يشركه فيها أحد ، وسلب فعله المستحيل الذي لا يدخل تحت القدرة ولا يتصور وقوعه ليس من خصائصه ولا هو كمال في نفسه ولا يستلزم كمالا ، فإذا مدح نفسه بكونه لا يجمع بين النقيضين كان كل أحد مشاركا له في هذا المدح ، بخلاف ما إذا مدح نفسه بكونه لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يموت ولا ينسى ولا تخفى عليه شيء ولا يظلم أحدا ، وهو سبحانه يثني على نفسه بفعل ما لو ترك كان تركه نقصا ، وبترك ما لو فعله كان فعله نقصا ، وهذا لا حقيقة له عند الجبرية ، والاعتبار عندهم بكون المفعول والمتروك ممكنا ، فقابلتهم القدرية فجعلوا الظلم الذي تنزه سبحانه عنه مثل الظلم الذي يكون من العباد ، وشبهوا فعله بفعل عبيده فتسلط عليهم الجبرية بأنواع المناقضات والمعارضات وكان غاية ما عند كل واحد من الفريقين مناقضة الآخر وإفساد قوله ، فكفوا أهل السنة مئونتهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث