الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        337 - ولم يبق مما رسمناه في حفظ من في الخطة إلا القيام على المشرفين على الضياع ، وقد ذكرنا أن ذلك ينقسم إلى الولايات ، وإلى سد الحاجات ، وإنقاذ ذوي الفاقات .

        فأما الولاية ، فالسلطان ولي من لا ولي له من الأطفال والمجانين ، وهي تنقسم إلى ولاية الإنكاح وحفظ الأموال .

        واستيفاء القول في الولايتين من فن الفقه ، فليطلبه طالبه من المشتغلين به .

        338 - وأما سد الحاجات والخصاصات فمن أهم المهمات ، ويتعلق بهذا ضرب من الكلام الكلي ، وقد لا يلفى مجموعا في الفقه .

        فأقول : إذا بنينا على غالب الأمر في العادات ، وفرضنا انتفاء الزمان عن الحوائج والعاهات ، وضروب الآفات ، ووفق [ ص: 233 ] المثرون الموسرون لأداء الزكوات ، انطبقت فضلات أموال الأغنياء على أقدار الحاجات .

        وإن قدرت آفة وأزم وقحط وجدب ، عارضه تقدير رخاء في الأسعار تزيد معه أقدار الزكوات على مبالغ الحاجات ، فالوجه استحثاث الخلق بالموعظة الحسنة ، على أداء ما افترض الله عليهم ، في السنة ، فإن اتفق مع بذل المجهود في ذلك فقراء محتاجون لم تف الزكوات بحاجاتهم ، فحق على الإمام أن يجعل الاعتناء بهم من أهم أمر في باله ، فالدنيا بحذافيرها لا تعدل تضرر فقير من فقراء المسلمين في ضر ، فإن انتهى نظر الإمام إليهم ، رم ما استرم من أحوالهم ، من الجهات التي سيأتي عليها شرحنا إن شاء الله عز وجل .

        [ ص: 134 ] 339 - فإن لم يبلغهم نظر الإمام ، وجب على ذوي اليسار والاقتدار البدار إلى رفع الضرار عنهم ، وإن ضاع فقير بين ظهراني موسرين ، حرجوا من عند آخرهم ، وباءوا بأعظم المآثم ، وكان الله طليبهم وحسيبهم .

        وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فلا يبيتن ليلة شبعان وجاره طاو " وإذا كان تجهيز الموتى من فروض الكفايات ، فحفظ مهج الأحياء ، وتدارك حشاشة الفقراء أتم وأهم .

        340 - ومقصود هذا الفصل ما نذكره الآن : فلو بلي أهل بلد بقحط ، وكشرت الشدة عن أنيابها ، وبثت المنون بدائع أسبابها ، وعلم من معه بلاغ أنهم لو صفروا أيديهم ، وفرقوا ما معهم ، لافتقروا افتقارهم ، فلا نكلفهم أن [ ص: 235 ] ينهوا أنفسهم إلى الضرر الناجز ، والافتقار العاجل ; فإنهم لو فعلوا ذلك هلكوا مع الهالكين ، ولو تماسكوا أوشك أن يبقوا ، ويبقى ببقائهم من نفضات أموالهم مضرورون ، وغايتنا أن نذكر الأصلح على أقصى الإمكان ، وما قدر الله أن يكون كان .

        341 - ولا يبين ما نحاوله إلا بذكر مسألة على الأحكام تخالف بظاهرها ما افتتحناه : فلو فرضنا مصطحبين في الأسفار في بعض القفار ، وانتهى أحدهما إلى المخمصة ، ومع الثاني ما يبلغه في غالب الظن إلى العمران ، فيتعين عليه ، والحالة هذه أن يسد رمق رفيقه ، ويكتفي ببلاغ يكفيه في طريقه . ولا نكلف الموسرين في هذه الشدة أن ينتهوا إلى كفاية يومهم ، ويفرقوا باقي أموالهم على المحاويج ، ويرقبوا أمر الله في غدهم ، ولا يسوغ لهم أن يغفلوا عن أمور المساكين أصلا ، ويتركوهم يموتون هزلا .

        والأمر في الرفيقين مفروض فيه إذا قرب وصولهما إلى البلدان [ ص: 236 ] والعمران ، ولا يعوز فيها سداد . وامتداد آماد القحط لا يفضي إلى منتهى العلوم .

        وهذا يناظر ما لو كان الرفيقان في متاهات لا يدريان متى تنتهي بهما إلى العمران ، فلا نكلف من معه زاد واستعداد أن يؤثر على نفسه ، ويجتزئ بحاجة يومه أو وقته .

        342 - فإذا تقرر ما ذكرناه ، فالوجه عندي إذا ظهر الضر ، وتفاقم الأمر ، وأنشبت المنية أظفارها ، وأشفى المضرورون ، واستشعر الموسرون ، أن يستظهر كل موسر بقوت سنة ، ويصرف الباقي إلى ذوي الضرورات ، وأصحاب الخصاصات ، ولست أقول أن منقرض السنة يستعقب انجلاء المحن ، وانفصال الفتن على علم أو ظن غالب . ولكن لا سبيل إلى ترك الفقراء على ضرهم ، ولا نعرف توفيقا في الشرع ضابطا ينتهي إليه فيما يبذله الموسر ، وفيما يبقيه ، ورأينا في السنة قواعد شرعية تشير إلى هذه القضية ، وفي اعتبار السنة أيضا حالة ظنية عقلية .

        [ ص: 237 ] 343 - فأما أمارات الشرع فمن أقربها تعلق وظيفة الزكاة بانقضاء السنة ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضع لنسائه في أوقات الإمكان قوت سنة .

        فأما الأمر العقلي ، فقد يظن أن الأحوال تتبدل في انقضاء السنة ، فإنها مدة الغلات ، وأمد الثمرات ، وفيها تحول الأحوال ، وتزول وتعتقب الفصول . ثم الباذلون في بذلهم على غرر وخطر . ولكن ما ذكرناه أقصد معتبر ، وما ذكرته بيان ما يسوغ ، وليس أمرا مجزوما ، ولا حكما محتوما ، فمن طابت نفسه بإيثار أخيه على نفسه ، فالإيثار من شيم الصالحين ، وسير الموفقين .

        فهذا منقرض القول في الأمور الجزئية ، التي تتعلق بالإمام في حفظ من في خطة الإسلام .

        344 - فإن قيل : لم تذكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

        قلنا : الشرع من مفتتحه إلى مختتمه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ، وما يتعلق بالإمام فيه ما فصلناه ، والدعاء إلى المعروف والنهي [ ص: 238 ] عن المنكر يثبت لكافة المسلمين ، إذا قدموا بثبت وبصيرة ، وليس إلى الرعية إلا المواعظ والترغيب والترهيب ، من غير فظاظة وملق . ومن ظهر منه الصدق والديانة ، وتجرد لله تعالى ، وأوضح الحق وأبانه ، على تخضع لله واستكانة ، ثم زان برفقه شانه ، وما دخل الرفق أمرا إلا زانه ، نجع كلامه في المستكبرين في زمانهم ، المتولين بأركانهم فإن لم يرعوا ; لم يكن للرعية المكاوحة ، وشهر الأسلحة ، ولكنهم ينهون الأمور إلى الولاة ، ثم إنهم يرون رأيهم في فنون الردع ، كما سبق تفصيلها .

        345 - فإن قيل : أليس الولاة يعتنون بتقويم المكاييل والموازين ؟ قلنا : إن تولى السلطان أبوابا في الأمر بالمعروف ، فلا معترض عليه فيها ، ولكن لا يختص به إلا ما يتعلق بالسياسة . ولو تصدى للأمر بالتقويم ، والجريان على المنهج القويم ، والمسلك [ ص: 239 ] المستقيم آحاد من المسلمين محتسبين ، كانوا غير ممنوعين ، ولا مدفوعين . نعم يتعلق بالوالي أن يكلف المتهم بالتطفيف عرض ميزانه ومكياله ، ولا يثبت ذلك لمن ليس مأمورا من جهة السلطان ، وهذا يدخل تحت ما تقدم من فصل العقوبات ، وردع المتهمين بما لا يرضى من الخيالات ، فلم أر إفراد الأمر بالمعروف بالذكر .

        أما تفاصيل القول في الأمر بالمعروف فإنه يحويه كتاب يليق بالفقهاء أن يستقصوه ، فوكلوه إلى المتكلمين ، كما وكلوا إليهم التوبة ، وتفاصيل الأقوال في الخروج عن المظالم ، ولو حاولت قولا قريبا في الأمر بالمعروف وسيطا ، لأبر على قدر هذا الكتاب ، ولم يكن حاويا بسيطا .

        انتهى القول في الكلي والجزئي ، مما يسوس به الإمام الرعية .

        التالي السابق


        الخدمات العلمية